أقبلَ رَهْطٌ معَهُمُ امرأةٌ حتَّى نزلوا فتفرَّقوا في حوائجِهِم فتخلَّفَ رجلٌ معَ امرَأةٍ فرجعوا وَهوَ بينَ رِجليها فشَهِدَ ثلاثةٌ منهم أنَّهم رأوهُ يَهُبُّ كما يَهُبُّ المروَدُ في المُكْحلةِ .

وقالَ الرَّابعُ: أَحمي سَمعي وبصَري لم أرَهُ يَهُبُّ فيها رَأيتُ سَخنَتيهِ - يعني خَصيَتيهِ - يضربانِ أستَها ورجليها مِثلُ أذُنَيْ الحمارِ .

وعلَى مَكَّةَ يومئذٍ نافعُ بنُ عَبدِ الحارثِ الخزاعيُّ فكتَبَ إلى عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ فَكَتبَ إليه عُمرُ إن شَهِدَ الرَّابعُ مِثلِ ما شَهِدَ الثَّلاثَةُ فقدِّمهُما فاجلِدهُما وإن كانا مُحصَنَيْنِ فارجُمهما وإن لم يُشهَد إلَّا بما كتَبتَ بِهِ إليَّ فاجلدِ الثَّلاثةَ وخلِّ سبيلَ الرَّجُلِ والمرأةِ قالَ: فجلدَ الثَّلاثةَ وخلَّى سبيلَ الرَّجلِ والمرأةِ

الدلالات الموضوعية:# حدود - إمضاء الحدود أو التوقف فيها بما فيه الاحتياط للرعية# حدود - حد الزنا# حدود - حد القذف# حدود - رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه# حدود - إقامة الحدود في الحضر والسفر
المصدر: نخب الافكار
الراوي: أبو الطفيل
المحدث: العيني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (6136) بلفظه،

الشرح والتوضيح

شَدَّدت الشَّريعةُ في الشَّهادةِ في الحُدودِ؛ وذلك لِما يَتَرَتَّبُ على هذه الشَّهادةِ مِن أحكامٍ، وأعظَمُها الشَّهادةُ على الزِّنا، فجَعَلتِ الشَّريعةُ لإقامةِ حَدِّ الزِّنا شَهادةَ أربَعةِ شُهودٍ عُدولٍ، فلا يُقامُ حَدُّ الزِّنا على شَخصٍ بأقَلَّ مِن ذلك العَدَدِ، كَما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] ، ولا بُدَّ أن تَكونَ شَهادةُ الأربَعةِ مُتَّفِقةً تَمامًا، فإنِ اختَلفت شَهادةُ أحَدِهم عنِ البَقيَّةِ لم يُقَمِ الحَدُّ على مَن قُذِف، وأُقيمَ حَدُّ القَذفِ على الشُّهودِ لاختِلالِ شَهادَتِهم.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو الطُّفَيلِ عامِرُ بنُ واثِلةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه أقبَل رَهطٌ، أي: جَماعةٌ مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشرةِ، مَعَهمُ امرَأةٌ، حتَّى نَزَلوا فتَفرَّقوا في حَوائِجِهم، أي: لعَلَّهم كانوا مُسافِرينَ، فلمَّا وصَلوا مَوضِعًا مُعَيَّنًا تَفرَّقوا كُلُّ واحِدٍ يَقضي شُؤونَه وحَوائِجَه مِن هذا السَّفَرِ أوِ المَكانِ الذي جاؤوا إليه، وتَخَلَّف رَجُلٌ مَعَ امرَأةٍ، أي: قَعَدَ رَجُلٌ مَعَ امرَأةٍ في المَكانِ ولم يَذهَبْ مَعَ بَقيَّةِ أصحابِه، والمَقصودُ: أنَّه انفرَدَ بالمَرأةِ وخَلا بها، فرَجَعَ القَومُ فوجَدوا الرَّجُلَ وهو قاعِدٌ بَينَ رِجْلَيِ المَرأةِ، أي: كَقُعودِ الرَّجُلِ مِن زَوجَتِه عِندَ الوطءِ، والمَقصودُ أنَّهم رَأوه يَزني بها، وأميرُ مَكَّةَ يَومَئِذٍ نافِعُ بنُ عَبدِ الحارِثِ الخُزاعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، أمَّرَه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه.

فلمَّا رَجَعَ القَومُ ذَهَبوا إلى نافِعٍ حتَّى يُخبروه بشَأنِ الرَّجُلِ والمَرأةِ، فشَهِدَ ثَلاثةٌ مِنَ القَومِ أنَّهم رَأوا الرَّجُلَ يَهُبُّ – مِن هَبَّ للسِّفادِ، أي: صاحَ، وهو هِياجُ الفَحلِ، تَقولُ: هَبَّ التَّيسُ يَهُبُّ هَبِيبًا وهِبابًا- كَما يَهُبُّ المِروَدُ في المُكحُلةِ، أي: أنَّهم رَأوا الرَّجُلَ يُدخِلُ ذَكَره في فرجِ المَرأةِ كَما يَدخُلُ المِروَدُ -وهو الميلُ الذي يُكتَحَلُ به- في المُكحُلةِ، وقال الرَّجُلُ الرَّابعُ: أحمي سَمعي وبَصَري.

وهو مِنَ الحِمايةِ، أي: لا أنسُبُ إليهما ما لم أسمَعْ وأُبصِرْ، أو لا أكذِبُ فيما سَمِعتُ أو فيما أبصَرتُ؛ فيُعاقِبَني اللهُ في سَمعي وبَصَري، لكِنِّي أُصَدِّقُ في ذلك، لم أرَه يَهُبُّ فيها، أي: لم أرَ ذَكَرَه يَدخُلُ في فَرجِها.

ولكِن رَأيتُ سَخينَتَيه، أي: خُصيَتَيه، يَضرِبانِ اسْتَها، أي: دُبُرَها، ورِجلَيها مِثلَ أُذُنَيِ الحِمارِ، أي: مُرتَفِعَتينِ أو مُعَلَّقَتَينِ، فكَتَب نافِعٌ إلى عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه يَسألُه ماذا يَصنعُ في حُكمِ هذه الحادِثةِ.

فكَتَبَ إليه عُمَرُ: إن شَهِدَ الرَّابعُ مِثلَ ما شَهِدَ الثَّلاثةُ فقَدِّمْهما فاجلِدْهما، وإن كانا مُحصَنَينِ فارجُمْهما، أي: إذا شَهدَ الرَّجُلُ الرَّابعُ بشَهادةٍ توافِقُ الشُّهودَ الثَّلاثةَ ولا تَختَلفُ عن شَهادَتِهم، فأقِمْ على الرَّجُلِ والمَرأةِ الحَدَّ، وهو الجَلدُ، وإن كانا مُحصَنَينِ -أي سَبَق لهما الزَّواجُ- فأقِمِ الحَدَّ عليهما الرَّجمَ حتَّى المَوتِ.

وإن لم يَشهَدِ الرَّجُلُ الرَّابعُ إلَّا بما كَتَبتَ به إليَّ، أي: مِن كَونِه لم يَرَه يَهُبُّ إلى آخِرِ شَهادَتِه، فاجلِدِ الثَّلاثةَ، أي: أقِمْ حَدَّ القَذفِ على الثَّلاثةِ الذينَ ادَّعَوا أنَّهم رَأوه يَهُبُّ فيها كَما يَهُبُّ المِروَدُ في المُكحُلةِ، وخَلِّ سَبيلَ الرَّجُلِ والمَرأةِ، أي: اترُكِ الرَّجُلَ والمَرأةَ لحالِ سَبيلِهما.

فعِندَ ذلك جَلدَ نافِعٌ الثَّلاثةَ؛ لكَونِ الرَّابعِ لم يَشهَدْ بمِثلِ شَهادَتِهم، وخَلَّى سَبيلَ الرَّجُلِ والمَرأةِ، أي: تَرَكَهما وشَأنَهما.

وفي الحَديثِ أنَّ الشَّهادةَ على الزِّنا لا تَكونُ إلَّا بأربَعةِ شُهودٍ.

وفيه أنَّه لا بُدَّ في الشَّهادةِ على الزِّنا مِن تطابُقِ شَهادةِ جَميعِ الشُّهودِ.

وفيه أنَّه إذا تَوافقَت شَهادةُ الشُّهودِ على شَخصٍ بالزِّنا أُقيمَ الحَدُّ عليه.

وفيه أنَّه إذا اختَلَفت شَهادةُ الشُّهودِ أو نَقَص العَدَدُ أُقيمَ حَدُّ القَذفِ على الشُّهودِ.

وفيه الرُّجوعُ للإمامِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ والنَّظَرُ في رَأيِه .

أحاديث ذات صلة