أنَّ درجًا أتي به عُمرُ بنُ الخطَّابِ ، فنظَر إليه أصحابُه فلم يعرِفوا قيمتَه ، فقال أتأذَنونَ أن أبعَث به إلى عائشةَ ، لِحُبِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاها ؟ قالوا : نعَم ، فأُتِي به عائشةُ ففتَحَتْه فقيل : هذا أرسَل به إليكِ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ، فقالتْ : ماذا فتَح عليَّ ابنُ الخطَّابِ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ اللهم لا تُبقِني لعطيةِ قابلٍ
أخرجه أحمد في (( فضائل الصحابة)) (2/875) باختلاف يسير.
لمَّا تَولَّى الخَليفةُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه الخِلافةَ كَثُرَتِ الفُتوحاتُ وكَثُرَ المالُ، وكان عُمَرُ حَريصًا على أداءِ الأمانةِ وتَوزيعِ هذا المالِ نَظَرًا لكَثرةِ المُسلمينَ، فكان يَبدَأُ في العَطاءِ بآلِ بَيتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ دُرجًا، أي: صُندوقًا توضَعُ فيه الأشياءُ، وكان فيه جَواهِرُ، كَما في الرِّوايةِ الأُخرى، جيءَ به إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه.
وكان هذا مِنَ الأموالِ التي أتَت مِن فُتوحِ العِراقِ، فنَظَرَ إلى هذا الدُّرجِ أصحابُ عُمَرَ فلم يَعرِفوا قيمَتَه، أي: كَم ثَمنُه، ولعَلَّه كان كَثيرًا، فقال لهم عُمَرُ: أتَأذَنونَ أن أبعَثَ به إلى عائِشةَ؛ لحُبِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاها؟ أي: لمَكانتِها عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكَونِها أحَبَّ نِسائِه إليه.
فقال أصحابُ عُمَرَ: نَعَم، أي: ابعَثْ به إلى عائِشةَ.
فلمَّا جيءَ بهذا الدُّرجِ إلى عائِشةَ وفَتحَته، فقيل لها: هذا أرسَل به إليك عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، أي: هو نَصيبُك مِنَ العَطاءِ، ومِمَّا كان عُمَرُ يوزِّعُه على المُسلمينَ مِن بَيتِ مالِ المُسلمينَ.
فقالت عائِشةُ: ماذا فتَحَ عليَّ ابنُ الخَطَّابِ بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! أي: كَرِهَت أمرَ المالِ والدُّنيا بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد كانت زاهدةً في الدُّنيا؛ ولهذا جاءَ في رِوايةٍ أنَّها قالت: لا حاجةَ لي في الدُّنيا بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! ثُمَّ قالت: اللهُمَّ لا تُبقِني لعَطيَّةِ قابلٍ! أي: دَعَتِ اللَّهَ أن لا تَأتيَ السَّنةُ القادِمةُ وقتَ تَوزيعِ العَطاءِ القادِمِ إلَّا وقد تَوفَّيتَني حتَّى لا أُدرِكَ مِثلَ هذا العَطاءِ مَرَّةً أُخرى.
وفي الحَديثِ بَيانُ مَعرِفةِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لمَكانةِ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فَضلُ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها.
وفيه ما كان عليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مِنَ الحِرصِ على أموالِ المُسلمينَ والسَّعيِ في تَوزيعِها وتَقسيمِها.
وفيه إيثارُ الإمامِ بَعضَ الرَّعيَّةِ بالعَطاءِ برِضا الباقينَ.
وفيه بَداءةُ الإمامِ في تَوزيعِ المالِ بأقارِبِ وزَوجاتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .