عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قولِهِ عزَّ وجلَّ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ إلى قولِهِ كَمَا رَبَّيانِي صَغِيرًا فنسختْ الآيةُ التي في براءةَ مَا كَانَ لِلنَّبيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
إنَّ مِنَ الأعمالِ الفاضِلةِ العَظيمةِ برَّ الوالدَينِ والإحسانَ إليهما؛ فقد وصَّى اللَّهُ تعالى بالوالدَينِ وقَرَنَ ذلك بعِبادَتِه في آياتٍ كَثيرةٍ في القُرآنِ، فعلى الولَدِ الدُّعاءُ لوالدَيه بالرَّحمةِ والمَغفِرةِ، كَما قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، ولكِنَّ هذه الدَّعوةَ مَخصوصةٌ بما إذا كان الوالدانِ مُسلِمَينِ، أمَّا الكافِرُ فلا يُدعى له بالرَّحمةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ قَولَه تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24] مَنسوخٌ بالآيةِ التي في سورةِ بَراءة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] ، أي: أنَّه لا يَصِحُّ ولا يَجوزُ للمُسلمِ أن يَستَغفِرَ ويَدعوَ لمُشرِكٍ مَهما كان، حتَّى ولو كان أقرَبَ قَريبٍ كَوالِدَيه.
وفي الحَديثِ بَيانُ نَسخِ آيةِ بَراءة لقَولِه تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمْا}.
وفيه النَّهيُ عنِ الاستِغفارِ والدُّعاءِ للمُشرِكِ ولو كان أقرَبِ قَريبٍ.
وفيه بَيانُ نَسخِ القُرآنِ بالقُرآنِ .