دَخَلْنا على عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في مَرَضِه الشَّديدِ الذي أصابَه، فقال: إنِّي لأَرْثي لك ممَّا أرى، قال: يا ابنَ أخي، لا تَفعَلْ، فواللهِ إنَّ أحَبَّه إليَّ أحَبُّه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وقد قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، فهذا ما كَسَبتْ يَدايَ، ثم يَأتيني عَفوُ ربِّي بعدُ فيما بَقيَ.
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (9500) واللفظ له، وابن المبارك في ((الزهد)) (462)، وابن أبي شيبة (35838) بنحوه.
الدُّنيا دارُ بلاءٍ وامتِحانٍ، يَتَعَرَّضُ المَرءُ المُسلِمُ فيها للمَصائِبِ والأمراضِ، ولكِن من رَحمةِ اللهِ تعالى أن جَعَل كُلَّ ما يُصيبُ المُسلمَ في الدُّنيا له فيه أجرٌ وكَفَّارةٌ؛ ولهذا يَنبَغي على المُسلمِ أن يَصبرَ ويَحتَسِبَ على ما يُصيبُه من هذه الأمراضِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ الحَسَنُ البَصريُّ أنَّهم دَخَلوا على عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنه يَعودونَه في مَرَضِه الشَّديدِ الذي أصابَه، فقال بَعضُ الحاضِرينَ لعِمرانَ: إنِّي لأرثي لك مِمَّا أرى! أي: أتَرَحَّمُ وأتَوجَّعُ لحالِك الذي وصَلتَ إليه مِن شِدَّةِ المَرَضِ.
فقال عِمرانُ: يا ابن أخي، لا تَفعَلْ، أي: لا تَرثي لحالي، فواللهِ إنَّ أحَبَّه إليَّ أحَبُّه إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أي: إنَّ أحَبَّ المَرَضِ إليَّ هو ما أحَبَّه اللَّهُ تعالى لي.
وقد قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] ، أي: ما يَقَعُ على العَبدِ ويُصابُ به في الدُّنيا مِنَ الأمراضِ والأوجاعِ وغَيرِها فهو بسَبَبِ ما اقتَرَفه العَبدُ مِنَ الذُّنوبِ والخَطايا والمَعاصي، ولكِن مِن رَحمةِ اللهِ تعالى أنَّه يَعفو عن كَثيرٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، فلا يُجازي عليها بَل يَعفو عنها.
يَقولُ عِمرانُ: فهذا ما كَسَبَت يَداي، أي: هذا المَرَضُ الذي أصابَني بسَبَبِ الذُّنوبِ، ثُمَّ يَأتيني عَفوُ رَبِّي بَعدُ فيما بَقيَ، أي: أنَّ هذا المَرَضَ يُكَفِّرُ عنِّي بَعضُ الذُّنوبِ التي وقَعَت، وما بَقيَ مِنَ الذُّنوبِ يَأتي عليها عَفوُ اللهِ تعالى.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ زيارةِ المَريضِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّوجُّعِ على المَريضِ.
وفيه أنَّ المَصائِبَ هيَ بسَبَبِ ما اقتَرَفه العَبدُ مِنَ الذُّنوبِ.
وفيه بَيانُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنه لمَعنى الآيةِ.
وفيه بَيانُ سَعةِ عَفوِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ .
شعب الإيمان (12/ 344) 9500 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ , وأحمد بن الحسن , قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب , نا محمد بن سنان القزاز , نا حبان بن هلال , نا مبارك , نا الحسن , قال: دخلنا على عمران بن حصين في وجعه ذلك الشديد , فقال له رجل: يا أبا نجيد , والله إني لأيأس من بعض ما أراك.
قال: " لا تفعل , فإن أحبه إلي أحبه إلى الله , قال الله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] هذا مما كسبت يداي , ويأتي عفو ربي فيما يبقى "
الزهد والرقائق لابن المبارك ت الأعظمي (1/ 156) 462- أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا جعفر بن حيان, قال: اشتكى عمران بن حصين شكوة، فقال بعض من يأتيه: قد كان يمنعنا من إتيانك ما نرى عندك، قال: فلا تفعل، فإن أحبه إلي أحبه إلى الله تعالى.
مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة ط القبلة (19/ 215) 35838- حدثنا وكيع ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن ، قال : ابتلي عمران بن الحصين ببلاء كان يوله منه ، قال : فقال له بعض من يأتيه : إنه ليمنعني من إتيانك ما نرى منك ، قال : فلا تفعل فوالله إن أحبه إلي أحبه إلى الله.