كنتُ عندَ ابنِ عمرَ ، إذ أتاهُ رجلٌ جَليد في العينِ ، شَديدُ في اللِّسانِ ، فقالَ : يا أبا عبدِ الرَّحمنِ ، نفرٌ ستَّةٌ كلُّهم قَد قرأَ القرآنَ فأسرعَ فيهِ ، وَكُلُّهم مجتَهِدٌ لا يألو وَكُلُّهم بَغيضٌ إليهِ أن يأتيَ دَناءةً ، وَهُم في ذلِكَ يشهَدُ بعضُهُم علَى بعضٍ بالشِّركِ .
فقالَ رجلٌ منَ القومِ : وأيُّ دَناءةٍ تريدُ أكثرَ مِن أن يشهدَ بعضُهُم على بعضٍ بالشِّركِ ؟ فقالَ الرَّجلُ : إنِّي لَستُ إيَّاكَ أسألُ ، إنَّما أسألُ الشَّيخَ .
فأعادَ على عبدِ اللَّهِ الحديثَ ، فقالَ عبدُ اللَّهِ : لعلَّكَ تَرى ، لا أبا لَكَ ، أنِّي سآمرُكَ أن تذهبَ فَتقتلُهُم ! عِظهُم وانهَهُم ، فإن عَصوكَ فعليكَ نفسَكَ فإنَّ اللَّهَ ، عزَّ وجلَّ يقولُ : يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآيةَ
أخرجه الطبري في ((التفسير)) (12854) بلفظه.
الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنكَرِ شَعيرةٌ من شَعائِرِ هذا الدِّينِ التي أمَرَ اللهُ تعالى بها، فقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] ، بل أثنى اللهُ تعالى على هذه الأمَّةِ لأمرِها بالمَعروفِ ونَهيِها عنِ المُنكَرِ، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] .
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ سَوَّارُ بنُ شَبيبٍ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه كان عِندَ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما، فجاءَ إلى ابنِ عُمَرَ رجُلٌ جَليدٌ في العَينِ، أي: لعَلَّه واسِعُ العَينِ، شَديدٌ في اللِّسانِ، أي: في لسانِه شِدَّةٌ وغِلَظٌ في القَولِ، فقال لابنِ عُمَرَ: يا أبا عَبدِ الرَّحمَنِ، نَفَرٌ -وهمُ الجَماعةُ ما دونَ العَشرةِ- سِتَّةٌ كُلُّهم قد قَرَأ القُرآنَ فأسرَعَ فيه، أي: حَفِظوا القُرآنَ وأكمَلوه، وكُلُّهم مُجتَهِدٌ لا يَألو، أي: لا يُقَصِّرونَ في قِراءَتِه ومُدارَسَتِه، وكُلُّهم بَغيضٌ إليه أن يَأتيَ دَناءةً، أي: كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَكرَهُ أن يَأتيَ خَصلةً دَنيئةً أو قَبيحةً، لكِنَّهم مَعَ هذا الأمرِ من الاجتِهادِ في القِراءةِ وبُغضِهم للقَبائِحِ، يَشهَدُ بَعضُهم على بَعضٍ بالشِّركِ، أي: يُكَفِّرُ بَعضُهم بَعضًا! فقال رَجُلٌ مِنَ القَومِ مِمَّن كان حاضِرًا عِندَ ابنِ عُمَرَ: وأيُّ دَناءةٍ تُريدُ أكثَرَ مِن أن يَشهَدَ بَعضُهم على بَعضٍ بالشِّركِ؟! أي: أيُّ خَصلةٍ قَبيحةٍ وسَيِّئةٍ أكثَرَ مِن أن يَحكُمَ بَعضُهم على بَعضٍ بالشِّركِ، ومُرادُه أنَّهم كَيف يَتَورَّعونَ عنِ الخِصالِ الدَّنيئةِ ولا يَتَورَّعونَ عن تَكفيرِ بَعضِهم لبَعضٍ؟! فقال الرَّجُلُ: إنِّي لستُ إيَّاكَ أسألُ، إنَّما أسألُ الشَّيخَ، أي: ليسَ لك عَلاقةٌ بالسُّؤالِ؛ فأنا لم أسألْك وإنَّما سَألتُ شَيخَكُم، وهو ابنُ عُمَرَ.
فأعادَ الرَّجُلُ على ابنِ عُمَرَ الحَديثَ، أي: السُّؤالَ.
فقال له ابنُ عُمَرَ: لعَلَّك ترى، أي: تَظُنُّ، لا أبا لك.
وهيَ كَلِمةُ زَجرٍ وتَوبيخٍ، أنِّي سَآمُرُك أن تَذهَبَ فتَقتُلَهم! أي: كَأنَّك تَنتَظِرُ مِنِّي فتوى بجَوازِ قَتلِهم حتَّى تَذهَبَ فتَقتُلَهم، ثُمَّ تَقولَ: أفتاني بذلك ابنُ عُمَرَ! ولكِن عِظْهم وانهَهم، أي: عليك بوعظِهم وتَذكيرِهم ونَهيِهم عَمَّا يَقَعون فيه مِن تَكفيرِ بَعضِهم لبَعضٍ، فإن عَصَوك، أي: إذا لم يَستَجيبوا لك، فعليك نَفسَك، أي: فالزَمْ أمرَ نَفسِك وخاصَّتِك، فهذا هو الواجِبُ عليك، ولا تُكَلَّفُ أكثَرَ مِن ذلك؛ فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقولُ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائِدة: 105] ، أي: الزَموا إصلاحَ أنفُسِكُم، ولا يَضُرُّكُم ضَلالُ مَن ضَلَّ إذا كُنتُم مُهتَدينَ.
وفي الحَديثِ بَيانُ المَقصودِ بقَولِه تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
وفيه فِقهُ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما وحِكمَتُه في التَّعامُلِ مَعَ السَّائِلِ .
تفسير الطبري (11/ 140) 12854 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف، عن سوار بن شبيب قال، كنت عند ابن عمر ، إذ أتاه رجل جليد في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد، أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! قال: فقال الرجل: إني لست إياك أسأل، أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون".