شهِدْنا صِفِّينَ معَ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، وقد وكَّلْنا رَجُلَينِ، فإذا كانَ منَ القَومِ غَفْلةٌ حمَلَ عليهم، فلا يَرجِعُ حتَّى يَخضِبَ سَيفُه دَمًا، فقالَ: اعْذُرْني، فواللهِ ما رجَعْتُ حتَّى نَبَا عَلَيَّ سَيْفي، قالَ: ورأيْتُ عَمَّارًا وهاشِمَ بنَ عُتْبةَ وهو يَسْعى بيْنَ الصَّفَّينِ، فقالَ عَمَّارٌ: يا هاشِمُ، هذا واللهِ ليُخلَفَنَّ أمْرُه، ولَيُخذَلَنَّ جُندُه، ثمَّ قالَ: يا هاشِمُ الجنَّةُ تحتَ الأبارِقةِ قد تزَيَّنَ الحورُ معَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وحِزْبِه، يا هاشِمُ، أعْوَرُ، ولا خَيرَ في أعْوَرَ لا يَغْشى البَأْسَ، قالَ: فهَزَّ هاشِمٌ الرَّايةَ وقالَ: أعْوَرُ يَبْغي أهْلَه محِلَّا ...

قد عالَجَ الحَياةَ حتَّى مَلَّا لا بُدَّ أنْ يَفُلَّ أو يُفَلَّا.

قالَ: ثمَّ أخَذَ في وادٍ مِن أوْديةِ صِفِّينَ، قالَ: أبو عَبدِ الرَّحمَنِ: ورأيْتُ أصْحابَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَّبِعونَ عَمَّارًا كأنَّه لهُم عَلَمٌ.

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# فتن - موقعة صفين# مناقب وفضائل - عمار بن ياسر
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: أبو عبد الرحمن السلمي
المحدث: الحاكم
الحكم:[سكت عنه وقال في المقدمة رواته ثقات احتج بمثله الشيخان أو أحدهما]

بيانات التخريج:

أخرجه البزار (1410)، والطبراني في ((الأوسط)) (6471)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (1/ 141) بنحوه.

الشرح والتوضيح

جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تعالى عليهم ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَيَّنَ فَضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ؛ وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ، والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، ومِن أولئك الصَّحابةِ الصَّحابيُّ الجَليلُ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما؛ فقد أثنى عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأخبَرَ أنَّ عَمَّارًا تَقتُلُه الفِئةُ الباغيةُ؛ ولذلك لمَّا وقَعَتِ الفِتنةُ بَينَ عليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يَنظُرونَ مَعَ مَن سَيَقِفُ عَمَّارٌ حتَّى يَكونوا مَعَه.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَميُّ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّه شَهِدَ صِفِّينَ، أي: حَضَرَ مَعرَكةَ صِفِّينَ مَعَ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.

وصِفِّينُ هو مَكانٌ بالقُربِ مِنَ الفُراتِ، شَرقيَّ بلادِ الشَّامِ، وقَعَت فيه مَعرَكةٌ بَينَ عليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما نِهايةَ سَنةِ 36 وبدايةَ سَنةَ 37 للهجرةِ.

وقد وكَّلنا رَجُلينِ، أي: وكَّلوا بفرَسِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه رَجُلينِ يَحفظانِه ويَمنَعانِه مِن أن يَحمِلَ على القَومِ كَما جاءَ مُبَيَّنًا في رِوايةٍ أُخرى، فإذا كان مِنَ القَومِ غَفلةٌ، أي: نَومٌ أو نُعاسٌ أو عَدَمُ تَيَقُّظٍ مِنَ الرَّجُلينِ الموكَّلينِ على فرَسِ عليٍّ، حَمَل عليهم، أي: أقدَمَ عليٌّ بفرَسِه على القَومِ حتَّى يَنالَ مِنهم، فلا يَرجِعُ مِن عِندِهم حتَّى يُخَضِّبَ سَيفَه دَمًا، أي: حتَّى يَنالَ مِنَ القَومِ ويَقتُلَ مِنهم ويَتَلطَّخَ سَيفُه بدَمِهم، فقال: اعذرْني، فواللهِ ما رَجَعتُ حتَّى نَبا عَلَيَّ سَيفي، أي: أنَّ عَليًّا رَضِيَ اللهُ عنه حَمَل على القَومِ ذاتَ يَومٍ فلم يَرجِعْ حتَّى انثَنى سَيفُه، أي: انعَطَف وأصبَحَ لا يَقطَعُ، وعِندَما رَجَعَ لأصحابِه قال لهم: اعذروني، فواللهِ ما رَجَعتُ، أي: ما رَجَعتُ إليكُم مِن عِندِهم حتَّى نَبا عَلَيَّ سَيفي، أي: أصبَحَ سَيفي لا يَقطَعُ، ولولا أنَّه انثَنى ما رَجَعتُ.

كَما جاءَ مُبَيَّنًا ذلك في الرِّواياتِ الأُخرى، يَقولُ أبو عَبدِ الرَّحمَنِ: ورَأيتُ عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ وهاشِمَ بنَ عُتبةَ، وكان هاشِمٌ هو صاحِبَ رايةِ عليٍّ، وهو يَسعى بَينَ الصَّفَّينِ، أي: كان هاشِمٌ يَسعى بَينَ صَفَّيِ الجَيشَينِ؛ جَيشِ عليٍّ وجَيشِ مُعاويةَ، فقال عَمَّارٌ يَستَحِثُّ هاشِمًا على القِتالِ وعلى نُصرةِ عليٍّ وأنَّ عَليًّا ومَن مَعَه على الحَقِّ: يا هاشِمُ، هذا واللَّهِ ليخلفَنَّ أمرُه، وليُخذَلَنَّ جُندُه، أي: يَقصِدُ مُعاويةَ، وأنَّه لن يَنتَصِرَ في هذه المَعرَكةِ، وأنَّ جَيشَه سَيَخذُلونَه، ثُمَّ قال عَمَّارٌ: يا هاشِمُ، الجَنَّةُ تَحتَ الأبارقةِ، أي: اعلَمْ أنَّ الجَنَّةَ تَحتَ بَريقِ السُّيوفِ، وهو لمَعانُها، والمَقصودُ أنَّ الشَّهادةَ في سَبيلِ اللهِ مِنَ الأسبابِ الموجِبةِ لدُخولِ الجَنَّةِ، قد تَزَيَّن الحُورُ مَعَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحِزبِه، أي: تَزَيَّنَتِ الحُورُ العِينُ للمُجاهدينَ، ومَن قُتِلَ سَوف يَلقى الأحِبَّةَ يَنتَظِرونَه، وهُم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، يا هاشِمُ، أعوَرُ، ولا خَيرَ في أعورَ، لا يغشى البَأسَ.

وهو الحَربُ، أي: لا خَيرَ في شَخصٍ أعورَ لا يُقدِمُ ويَتَقدَّمُ في القِتالِ والحَربِ.

فلمَّا سَمِعَ هاشِمٌ هذه الكَلماتِ مِن عَمَّارٍ هَزَّ الرَّايةَ، أي: حَرَّكَها، وأنشَدَ يَقولُ: أعوَرُ يَبغي أهلَه مَحَلَّا، أي: يُريدُ ويَطلُبُ البَقاءَ في أهلِه، قد عالجَ الحَياةَ حتَّى مَلَّا، أي: كابَدَ مَشاقَّ الحَياةِ حتَّى أصابَه المَلَلُ والسَّآمةُ، لا بُدَّ أن يَفُلَّ أو يُفَلَّا.

الفُلُّ: القَومُ المُنهَزِمونَ، مِنَ الفَلِّ وهو الكَسرُ، أي: لا بُدَّ أن يَأتيَ اليَومُ الذي يُقاتِلُ فيه حتَّى يَقتُلَ ويَهزِمَ الأعداءَ، أو يَقتُلوه ويَهزِموه.

ثُمَّ أخَذَ هاشِمٌ في وادٍ مِن أوديةِ صِفِّينَ، أي: جانِبٍ مِن جَوانِبِ المَعرَكةِ وقاتَل حتَّى قُتِل هو وعَمَّارُ بنُ ياسِرٍ كَما في الرِّوايةِ الأُخرى.

يَقولُ أبو عَبدِ الرَّحمَنِ: ورَأيتُ أصحابَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَّبعونَ عَمَّارًا كَأنَّه لهم عَلَمٌ، أي: يَنظُرونَ ماذا يَفعَلُ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ، ويَقتَدونَ به ويَكونونَ مَعَه، وكَأنَّهم كانوا يَعلَمونَ أنَّ عَمَّارًا على الحَقِّ.

وفي الحَديثِ فَضلُ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما .

أحاديث ذات صلة