خرجنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى جئنا امرأةً من الأنصارِ في الأسواقِ وهي جدةُ خارجةَ بن زيدِ بنِ ثابتٍ، فزُرناها ذلك اليومَ، فعرشت لنا صورًا فجلسنا تحته، وذبحت لنا شاةً وعلَّقت لنا قربةً، فبينا نحن نتحدث إذ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : الآن يأتيكم رجلٌ من أهلِ الجنةِ، فطلع علينا أبو بكرٍ الصديقُ، فتحدثنا ثم قال لنا : الآن يأتيكم رجلٌ من أهل الجنةِ، فطلع علينا عمرُ بنُ الخطابِ، فتحدثنا فقال : الآن يأتيكم رجلٌ من أهلِ الجنةِ .
قال : فرأيتُه يُطأطئ رأسَه من سعفِ الصورِ يقول : اللهمَّ إن شئتَ جعلتَه عليَّ بنِ أبي طالبٍ، فجاء حتى دخل علينا، فهنيئًا لهم بما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهم، فجاءت المرأةُ بطعامها فتغدَّينا ثم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لصلاة الظهرِ فقمنا معه ما توضأ ولا أحدٌ منا، غير أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أخذ بكفه جرعًا من الماء فتمضمضَ بهن من غمَرِ الطعامِ، فجاءت المرأةُ بابنتين لها إلى رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالت : يا رسولَ اللهِ هاتان بنتا سعدِ بنِ الربيعِ قُتل معك يوم أحدٍ، وقد استفاء عمُّهما مالهما وميراثَهما كلَّه فلم يدَعْ لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسولَ الله ؟ فوالله لا تنكحان أبدًا إلا ولهما مالٌ .
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يقضي اللهُ في ذلك، فنزلت { يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ } الآية .
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ادعُ لي المرأة وصاحبَها، فقال لعمِّهما : أعطِهما الثلثينِ وأعطِ أُمهما الثُّمنَ ولك الباقي
أخرجه أبو داود (2891)، والدارقطني (4/78) مختصراً، ومسدد كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (3/429) باختلاف يسير.
جيلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم من أفضلِ الأجيالِ في هذه الأمَّةِ؛ وذلك لصُحبَتِهمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقوَّةِ إيمانِهم وسُرعةِ استِجابَتِهم لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأخبَرَ اللهُ تعالى أنَّه رَضيَ عنهم، وأنَّهم مِمَّنِ استَحَقُّوا الجَنَّةَ، وقد بَشَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعضَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بالجَنَّةِ بأسمائِهم.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهم خَرَجوا يَمشونَ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى جاؤوا إلى امرَأةٍ مِنَ الأنصارِ في الأسواقِ، أي: مَكانٍ يُقالُ له الأسواقُ، وهو اسمٌ لحَرَمِ المَدينةِ الذي حَرَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهذه المَرأةُ هيَ جَدَّةُ خارِجةَ بنِ زَيدِ بنِ ثابتٍ، فزُرناها ذلك اليَومَ، أي: زارَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو ومَن مَعَه مِنَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، فعَرَّشَت لنا صورًا فجَلَسنا تَحتَه، أي: قامَتِ المَرأةُ بعَمَلِ عَريشٍ، وهو كُلُّ ما يُستَظَلُّ به مِن صُورٍ، وهو الجَماعةُ مِنَ النَّخلِ.
بمَعنى: أنَّها نَظَّفت وهَيَّأت مَكانًا مِن عَريشِ النَّخلِ حتَّى يَجلسَ فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويَستَظِلَّ.
ثُمَّ قامَت بضيافتِهم فذَبَحَت لهم شاةً، وعَلَّقَت لهم قِربةً، أي: قِربةَ ماءٍ حتَّى يَشرَبوا، وبَينَما هم يَتَحَدَّثونَ أثناءَ جُلوسِهم قال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الآنَ يَأتيكُم رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّةِ، أي: سيَطلُعُ الآنَ ويَأتينا رَجُلٌ مُبَشَّرٌ بدُخولِ الجَنَّةِ، يَقولُ جابرٌ: فطَلعَ علينا أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، أي: كان ذلك الرَّجُلُ أبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
ثُمَّ تَحَدَّثوا قليلًا، ثُمَّ قال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّةً أُخرى: الآنَ يَأتيكُم رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّةِ، أي: سَيطلُعُ عليكُمُ الآنَ رَجُلٌ مُبَشَّرٌ بالجَنَّةِ.
يَقولُ جابرٌ: فطَلعَ علينا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، أي: كان ذلك الرَّجُلُ هو عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
ثُمَّ تَحَدَّثوا قليلًا، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّةً ثالثةً: الآنَ يَأتيكُم رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّةِ.
يَقولُ جابِرٌ: فرَأيتُه، أي: الرَّجُلَ الذي سَيَدخُلُ عليهم يُطَأطِئُ رَأسَه، أي: يَخفِضُ رَأسَه مِن سَعَفِ الصُّورِ، أي: مِن بَينِ جَماعةِ وجَريدِ النَّخلِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللهُمَّ إن شِئتَ جَعَلتَه عليَّ بنَ أبي طالبٍ، أي: يا رَبِّ اجعَلْ هذا الذي يَطلُعُ يَكونُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ.
يَقولُ جابرٌ: فجاءَ حتَّى دَخَل علينا، أي: كان ذلك الرَّجُلُ هو عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه.
يَقولُ جابرٌ: فهَنيئًا لهم بما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيهم، أي: لهم أن يَفرَحوا بهذا الفَضلِ والبِشارةِ التي بَشَّرَهم بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنَّهم مِن أهلِ الجَنَّةِ، وحُقَّ لهم ذلك.
يَقولُ جابرٌ: فجاءَتِ المَرأةُ، أي: الأنصاريَّةُ بطَعامِها فتَغَدَّينا، أي: تَغَدَّوا وأكَلوا مِن طَعامِ تلك المَرأةِ والشَّاةِ التي ذَبَحَتها لهم.
ثُمَّ قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لصَلاةِ الظُّهرِ فقُمنا مَعَه، أي: حتَّى يُصَلُّوا، ما تَوضَّأ ولا أحَدٌ مِنَّا، أي: لم يَتَوضَّأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا أحَدٌ مِمَّن كان مَعَه مِن أكلِ لحمِ تلك الشَّاةِ، غَيرَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخَذَ بكَفِّه جَرعًا مِنَ الماءِ، أي: مَلأ كَفَّه بقَليلٍ مِنَ الماءِ، فتمَضمَضَ بهنَّ مِن غَمَرِ الطَّعامِ.
الغَمَرُ: الدَّسَمُ والزُّهومةُ مِنَ اللَّحمِ، أي: تَمَضمَضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الدُّسومةِ التي في الطَّعامِ.
فلمَّا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الصَّلاةِ جاءَت تلك المَرأةُ الأنصاريَّةُ بابنَتَينِ لها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، هاتانِ بنتا سَعدِ بنِ الرَّبيعِ، وهو أحَدُ خِيارِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان مِنَ الأنصارِ، قُتِل مَعَك يَومَ أُحُدٍ، أي: استُشهِدَ سَعدٌ يَومَ غَزوةِ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ، وقدِ استَفاءَ عَمُّهما مالَهما وميراثَهما كُلَّه، أي: استَرَدَّ واستَرجَعَ حَقَّهما مِنَ الميراثِ، وأصلُه مِنَ الفَيءِ الذي يُؤخَذُ مِن أموالِ الكُفَّارِ، فلم يَدَعْ لهما مالًا إلَّا أخَذَه، أي: استَولى عَمُّ البنتَينِ على جَميعِ مالِ أخيه ولم يُعطِ البِنتَينِ شَيئًا مِن ميراثِ أبيهما.
فما تَرى يا رَسولَ اللهِ؟ أي: فما الحُكمُ يا رَسولَ اللهِ في هذا الأمرِ، هَل يَحِقُّ لعَمِّهما أخذُ المالِ كُلِّه، فواللهِ لا تُنكَحانِ أبَدًا إلَّا ولهما مالٌ، أي: أنَّ الأزواجَ لا يَرغَبونَ في نِكاحِهنَّ إلَّا إذا كان مَعَهنَّ مالٌ، وكان ذلك مَعروفًا في العَرَبِ، وقد جاءَ في الحَديثِ أنَّ المَرأةَ تُنكَحُ مِن أجلِ مالِها.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للمَرأةِ: يَقضي اللهُ في ذلك، أي: سيَحكمُ اللَّهُ في ذلك ما يَشاءُ وسَيُبَيِّنُ حُكمَه، فنَزَلتِ الآيةُ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] الآية.
إلى آخِرِ الآيةِ وفيها بَيانُ الوارِثينَ ونَصيبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ادعُ لي المَرأةَ وصاحِبَها، أي: المَرأةَ الأنصاريَّةَ التي سَألت وعَمَّ البنتَينِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَمِّ البنتَينِ: أعطِهما الثُّلُثَينِ، أي: أعطِ البنتَينِ ثُلثَيِ المالِ كَما قَسَمَ اللهُ تعالى في قَولِه: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] ، وأعطِ أُمَّهما الثُّمُنَ، أي: المَرأةَ الأنصاريَّةَ والِدةَ البنتَينِ، فنَصيبُها الثُّمُنُ، كَما قال تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12] .
ولك الباقي، أي: فهو مُستَحَقُّك بالتَّعصيبِ، وهو الباقي بَعدَ ذَوي الفُروضِ، فالعَمُّ عَصَبةٌ، والعاصِبُ يَأخُذُ ما أبقَتِ التَّرِكةُ بَعدَ أخذِ أصحابِ الفُروضِ نَصيبَهم.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ زيارةِ الرَّجُلِ للمَرأةِ إذا أُمِنَتِ الفِتنةُ.
وفيه مَشروعيَّةُ إكرامِ الضَّيفِ.
وفيه تَواضُعُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه حُبُّ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإكرامُهم له.
وفيه تَبشيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهؤلاء الثَّلاثةِ بالجَنَّةِ.
وفيه فَضلُ أبي بَكرٍ وعُمَرَ وتَقديمُهما على بَقيَّةِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أجمَعينَ.
وفيه فَضلُ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّحَدُّثِ مَعَ المَرأةِ الأجنَبيَّةِ للحاجةِ.
وفيه أنَّ أكلَ لحمِ الشَّاةِ لا يَنقُضُ الوُضوءَ.
وفيه مَشروعيَّةُ المَضمَضةِ مِن دُسومةِ الطَّعامِ ونَحوِ ذلك.
وفيه سَبَبُ نُزولِ آيةِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}.
وفيه أنَّ اللَّهَ تعالى تَكَفَّل بقِسمةِ الفرائِضِ بَينَ الوارِثينَ، وبَيَّنَ نَصيبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
وفيه إبطالُ ما كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ مِن عَدَمِ تَوريثِ النِّساءِ.
وفيه بَيانُ نَصيبِ البنتَينِ مِنَ الميراثِ.
وفيه بَيانُ نَصيبِ الزَّوجةِ مِنَ الميراثِ.
وفيه بَيانُ نَصيبِ العَمِّ مِنَ الميراثِ .