إنَّ الرَّجلَ يُسألُ في قبرِه: ما تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فأمَّا المؤمِنُ فيقولُ: هو عبدُ اللهِ ورسولُه جاءنا بالبيِّناتِ والهُدى، وأمَّا المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه لا أدرِي، سمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُه، فلهذا قال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86].
مِن أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ وما يَتَضَمَّنُه مِن أُمورِ الغَيبِ، ومِن ذلك فِتنةُ القَبرِ وعَذابُه ونَعيمُه؛ فقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الشَّخصَ إذا ماتَ فإنَّه يُسألُ في قَبرِه: مَن رَبُّك، ومَن نَبيُّك، وما دينُك؟ فيُجيبُ المُؤمِنُ، وأمَّا المُنافِقُ فإنَّه لا يَدري ما يَقولُ؛ ففي هذا الحَديثِ: إنَّ الرَّجُلَ يُسأَلُ في قَبرِه: ما تَقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ أي: النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فأمَّا المُؤمِنُ فيَقولُ: هو عَبدُ اللهِ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، جاءَنا بالبَيِّناتِ والهُدى، أي: يُجيبُ بهذا الجَوابِ على يَقينٍ وثَباتٍ بذلك، بأنَّ الرَّجُل الذي بُعِثَ فيهم هو عَبدُ اللهِ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أُرسِل إلينا بالبَيانِ الواضِحِ مِنَ اللهِ والهُدى؛ فآمَنَّا به وصَدَّقناه واتَّبَعناه.
وهو مِصداقُ قَولِه تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] ، وأمَّا المُرتابُ، أي: الإنسانُ الشَّاكُّ والمُنافِقُ غيرُ المُصَدِّقِ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والذي كان شاكًّا في رِسالتِه، فيَقولُ: هاهْ هاهْ -وهيَ كَلِمةٌ يَقولُها المُتَحَيِّرُ الذي لا يَقدِرُ مِن حَيرَتِه للخَوفِ أو لعَدَمِ الفصاحةِ أن يَستَعمِلَ لسانَه في فيه، أو يَقولُها المُتَوجِّعُ الذي يَتَوجَّعُ لعَدَمِ مَعرِفةِ الجَوابِ، ولِما حَصَل له مِنَ الارتِباكِ والخَوفِ وسوءِ العاقِبةِ- لا أدري، أي: ليسَ لي عِلمٌ بشَيءٍ، سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلتُه، أي: قُلتُ مِثلَما قال النَّاس؛ فلهذا قال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، أي: أنَّ قَولَه مِثلَ قَولِ النَّاسِ لا يَنفعُه؛ لكَونِه لم يَشهَدْ هذه الشَّهادةَ عن عِلمٍ، بَل قال ذلك تَقليدًا للنَّاسِ وللآباءِ والشُّيوخِ، والإيمانُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا بُدَّ أن يَكونَ عن عِلمٍ ويَقينٍ بصِدقِه وبصِدقِ ما جاءَ به.
وفي الحَديثِ إثباتُ فِتنةِ القَبرِ.
وفيه أنَّ النَّاسَ يُسألونَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قُبورِهم.
وفيه أنَّ الشَّهادةَ بالإيمانِ لا بُدَّ أن تَكونَ عن عِلمٍ لا تَقليدًا .