المباهَلةُ أوَّلُ مسألةٍ عائلة حدَثَت في زمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فجَمَع الصَّحابةَ للمشورة فيها، فقال العباس: أرى أن يُقسَمَ المالُ بينهم على قَدْرِ سهامِهم، فأخذ به عُمَرُ، واتَّبَعه النَّاسُ على ذلك حتَّى خالفهم ابنُ عبَّاسٍ، فقال: من شاء باهَلْتُه، إنَّ المسائِلَ لا تعولُ، إنَّ الذي أحصى رَمْلَ عالجَ عددًا أعدَلُ من أن يجعَلَ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا
بَيَّنَ اللهُ تعالى أحكامَ الميراثِ في كِتابِه، وذَكَر الوارِثينَ ونَصيبَ كَلِّ واحِدٍ منهم، وجاءَتِ السُّنَّةُ بتَفصيلِ الأحكامِ التي ورَدَت في القُرآنِ، وذَكَرَت بَعضَ الأحكامِ التي لم تُذكَرْ في القُرآنِ، ومن مَسائِلِ المَواريثِ التي حَصَل فيها خِلافٌ قديمٌ حتَّى بَينَ الصَّحابةِ مَسألةُ المُباهَلةِ، وهيَ عِبارةٌ عن امرَأةٍ تُوُفِّيَت وتَرَكت زَوجًا وأُمًّا، وإخوةً لأُمٍّ، وأُختًا لأبٍ وأُمٍّ، وأخَواتٍ لأبٍ، فقدِ اجتَمَعَ في هذه المَسألةِ أصحابُ فُروضٍ يَضيقُ المالُ عنها؛ فإنَّ النِّصفَ للزَّوجِ، والنِّصفَ للأُختِ مِنَ الأبَوينِ، يَكمُلُ المالُ بهما، ويَزيدُ ثُلثُ الإخوةِ لأُمٍّ، وسُدسُ الأُمِّ، وسُدسُ الأُختِ مِنَ الأبِ، فتَعولُ المَسألةُ بثُلثَيها، وأصلُها مِن سِتَّةِ أسهُمٍ، فتَعولُ إلى عَشرةٍ، وليسَ في الفرائِضِ مَسألةٌ تَعولُ بثُلثَيها سِوى هذه، ومَعنى العَولِ أن تَزدَحِمَ فُروضٌ لا يَتَّسِعُ المالُ لها كَهذه المَسألةِ، فيَدخُلُ النَّقصُ عليهم كُلِّهم، ويُقَسَّمُ المالُ بَينَهم على قَدرِ فُروضِهم، وهذا قَولُ عامَّةِ الصَّحابةِ، كعُمَرَ والعَبَّاسِ وغَيرِهما، وخالفَهمُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، فكان يَرى أنَّها لا تَعولُ، وإنَّما يُقَسَّمُ المالُ نِصفَينِ: للزَّوجِ النِّصفُ، والنِّصفُ الآخَرُ للأُختِ مِنَ الأبَوينِ، ويَسقُطُ بَقيَّةُ الورَثةِ، وكانت هذه أوَّلَ مَسألةٍ عائِلةٍ، أي: زادَ عَدَدُ أصحابِ الفُروضِ على المالِ، حَدَثَت في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فجَمَعَ عُمَرُ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم واستَشارَهم فيها، فقال العَبَّاسُ: أرى أن يُقَسَّمَ المالُ بَينَهم على قَدرِ سِهامِهم، أي: يَدخُلُ النَّقصُ عليهم كُلِّهم، ويُقَسَّمُ المالُ بَينَهم على قَدرِ فُروضِهم، فأخَذَ عُمَرُ بهذا القَولِ، واتَّبَعَه النَّاسُ على ذلك، أي: وافقَ النَّاسُ رَأيَ عُمَرَ والعَبَّاسِ وساروا عليه، حتَّى خالفهمُ ابنُ عبَّاسٍ وقال: مَن شاءَ باهَلْتُه، فسُمِّيَت هذه المَسألةُ مَسألةَ المُباهَلةِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: مَن شاءَ باهَلتُه، والمُباهَلةُ: المُلاعَنةُ، وهو أن يَجتَمِعَ القَومُ إذا اختَلفوا في شَيءٍ فيَقولوا: لعنةُ اللهِ على الكاذِبِ مِنَّا، وهيَ مَأخوذةٌ مِن قَولِه تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] ، وفي رِوايةٍ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: فإن شاءوا فلنَدعُ أبناءَنا وأبناءَهم ونِساءَنا ونِساءَهم وأنفُسَنا وأنفُسَهم ثُمَّ نَبتَهِلْ فنَجعَلْ لعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ، ما جَعَل اللَّهُ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا وثُلُثًا، إنَّ المَسائِلَ لا تَعولُ، أي: لا تَزيدُ على الفُروضِ المُقدَّرةِ، إنَّ الذي أحصى رَملَ عالِجٍ عَدَدًا -وهو رَملٌ عَظيمٌ في بلادِ العَرَبِ يَمُرُّ في شَمالِ نَجدٍ قُربَ مَدينةِ حائِلٍ إلى شَمالِ تَيماءَ، ويُسَمَّى اليَومَ النفودَ- أعدَلُ مِن أن يَجعَلَ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا، أي: يُقسِمُ ابنُ عبَّاسٍ أنَّ اللَّهَ تعالى الذي أحصى عَدَد رِمالِ عالِجٍ أعدَلُ مِن أن يَجعَلَ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا، أي: أنَّه لا يَجتَمِعُ في المَسألةِ أكثَرُ مِن نِصفَينِ، ففي رِوايةٍ: أنَّه قال: هذانِ نِصفانِ ذَهَبا بالمالِ، أي: نَصيبُ الزَّوجِ والأُختِ لأبَوينِ، فأينَ مَوضِعُ الثُّلُثِ؟ أي: فلا مَحَلَّ للثُّلثِ بَعدِ ذلك، ومَقصودُه أنَّه يَسقُطُ مَن عَدا الزَّوجُ والأُختُ لأبَوينِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أوَّلِ مَسألةٍ عالت في الإسلامِ.
وفيه مَشروعيَّةُ المُباهَلةِ في مَسائِلِ العِلمِ.
وفيه وُقوعُ الخِلافِ بَينَ المُجتَهِدينَ.
وفيه مَشروعيَّةُ مُشاوَرةِ الإمامِ لأهلِ العِلمِ فيما أشكَل عليه.
وفيه بَيانُ اختِلافِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم في مَسألةِ المُباهَلةِ .