عن فُضَيلِ بنِ زيدٍ قال : كنَّا مُصَافِّي العدوِّ ، قال : فكتبَ عبدٌ في سهمٍ له أمانًا للمشركين فرماهم به فجاءوا فقالوا : قد أمَّنتُمُونا ، فقالوا : لم نُؤَمِّنْكم إنما أمَّنَكم عبدٌ ، فكتبوا فيه إلى عمرَ ، فكتب عمرُ : إن العبدَ من المسلمين وذمَّتُه ذمَّتُهم وأمَّنَهم
مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ المُتَعَلِّقةِ بالجِهادِ أنَّ الكافِرَ إذا طَلَبَ مِن أحَدِ المُسلِمينَ الأمانَ فأمَّنه المُسلِمُ، فإنَّ هذا الأمانَ يُصبِحُ لازِمًا لكُلِّ المُسلِمينَ، لا يَحِلُّ لأحَدٍ مِنهم نَقضُ أمانِ المُسلِمِ، سَواءٌ كان الذي أعطى الأمانَ رَجُلًا أوِ امرَأةً أو عَبدًا، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ فُضَيلُ بنُ زَيدٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّهم كانوا مُصافِّينَ للعَدوِّ، أي: مُقابِليهم، يُقالُ: صَفَّ الجَيشُ: إذا رَتَّبَ صُفوفَه في مُقابِلِ صُفوفِ العَدوِّ، وهم مُستَعِدُّونَ للقِتالِ قد تَراصُّوا صَفًّا واحِدًا تِجاهَ العَدوِّ، فبَينَما هم كذلك إذ كَتَبَ عَبدٌ مِنَ المُسلمينَ مِمَّن كان في الجَيشِ في سَهمٍ له أمانًا للمُشرِكينَ، أي: كَتَبَ صَحيفةً فيها أمانٌ للمُشرِكينَ، ثُمَّ رَبَطَها بالسَّهمِ ثُمَّ رَمى السَّهمَ للمُشرِكينَ، فجاءَ المُشرِكونَ وقالوا للمُسلمينَ: قد أمَّنتُمونا، أي: لا يَحِلُّ لكُم قِتالُنا؛ فقد أعطَيتُمونا الأمانَ، وجاءَ أنَّ المُشرِكينَ وضَعوا أسلحَتَهم وخَرَجوا في ثيابِهم وأخرجوا السَّهمَ الذي فيه الأمانُ، فقال المُسلمونَ: لم نُؤَمِّنْكُم، أي: ما أعطَيناكُمُ الأمانَ، إنَّما أمَّنَكُم عَبدٌ، أي: العَبدُ هو الذي أعطاكُمُ الأمانَ لا نَحنُ، والعَبدُ لا يَقدِرُ على شَيءٍ، وكانوا يَظُنُّونَ أنَّ العَبدَ لا يُقبَلُ أمانُه، ثُمَّ إنَّهم كَتَبوا في هذا الأمرِ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَسألونَه عن أمانِ العَبدِ، فكَتَب عُمرُ إليهم: إنَّ العَبدَ مِنَ المُسلمينَ وذِمَّتُه ذِمَّتُهم، وأمَّنَهم.
الذِّمَّةُ: العَهدُ والأمانُ، أي: إذا أعطى العَبدُ العَهدَ والأمانَ للكافِرِ فأمانُه كَأمانِ أحَدٍ مِنَ المُسلمينَ، نافِذٌ على الكُلِّ ليسَ لأحَدٍ نَقضُه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ أمانِ العَبدِ للكافِرِ.
وفيه أنَّ ذِمَّةَ العَبدِ وأمانَه كأمانِ أحَدٍ مِنَ المُسلمينَ .