كنَّا جلوسًا عند بابِ عُمَرَ، فخرَجتْ علينا جاريةٌ، فقلتُ: هذه سُرِّيَّةُ أميرِ المؤمِنينَ، فقالت: واللهِ، ما أنا بسُرِّيَّةِ، وما أَحِلُّ له، وإنِّي لَمِن مالِ اللهِ.
ثم دخَلتْ، فخرَج علينا عُمَرُ، فقال: ما ترَوْنَهُ يَحِلُّ لي مِن مالِ اللهِ، أو قال: مِن هذا المالِ؟ قال: قُلْنا: أميرُ المؤمِنينَ أعلَمُ بذلك منَّا، فقال: إن شِئْتُم أخبَرْتُكم ما أستحِلُّ منه؛ ما أحُجُّ وأعتمِرُ عليه مِن الظَّهْرِ، وحُلَّتي في الشتاءِ، وحُلَّتي في الصيفِ، وقُوتُ عيالي، وشِبَعي، وسَهْمي في المسلِمينَ، فإنَّما أنا رجُلٌ مِن المسلِمينَ.
قال مَعمَرٌ: وإنَّما كان الذي يحُجُّ عليه ويعتمِرُ بعيرًا واحدًا.
أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (2493)، وعبد الرزاق في ((جامع معمر)) (20046) واللفظ لهما، والبيهقي (13141) باختلاف يسير.
تولِّي أمرِ المُسلمينَ والقيامُ عليهم مَنزِلةٌ كَبيرةٌ يَتَرَتَّبُ عليها واجِباتٌ على الوالي تِجاهَ رَعيَّتِه؛ فالوالي مسؤولٌ عن رَعيَّتِه، ولانشِغالِ الوالي بأُمورِ الرَّعيَّةِ فله أن يَأخُذَ مِن بَيتِ المالِ رِزقًا يَكفيه نَفقَتَه ونَفقةَ مَن يَعولُهم.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ الأحنَفُ بنُ قَيسٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّهم كانوا جُلوسًا عِندَ بابِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فخَرَجَت عليهم جاريةٌ، أي: مِن بَيتِ عُمَرَ، فقال الأحنَفُ: هذه سُرِّيَّةُ أميرِ المُؤمِنينَ، أي: مِن جَواريه اللاتي يَحِلُّ له وطؤُهنَّ، فقالتِ الجاريةُ: واللهِ، ما أنا بسُرِّيَّةٍ، وما أحِلُّ له، وإنِّي لمَن مالِ اللَّهِ، أي: لستُ بسُرِّيَّةٍ لعُمرَ ولا أحِلُّ له، بَل أنا مِن بَيتِ مالِ المُسلمينَ.
ثُمَّ دَخَلتِ الجاريةُ البَيتَ، ثُمَّ خَرَجَ عليهم عُمَرُ، فقال لهم: ما تَرَونَه يَحِلُّ لي مِن مالِ اللهِ، أو قال: مِن هذا المالِ؟ أي: ما الذي يَجوزُ ويَحِلُّ لي أخذُه مِن بَيتِ مالِ المُسلمينَ؟ فقالوا له: أميرُ المُؤمِنينَ أعلَمُ بذلك مِنَّا، أي: أنتَ أعلمُ بما يَحِلُّ لك مِن ذلك.
فقال عُمَرُ: إن شِئتُم أخبَرتُكُم ما أستَحِلُّ مِنه، أي: إن أحبَبتُم أن أُخبرَكُم ما يَحِلُّ لي أخذُه مِن هذا المالِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لهم ما يَحِلُّ له أخذُه، فقال: ما أحُجُّ وأعتَمِرُ عليه مِنَ الظَّهرِ، أي: الدَّوابِّ، والمَعنى: يَحِلُّ لي أخذُ دابَّةٍ أركَبُها للحَجِّ والعُمرةِ، وحُلَّتي في الشِّتاءِ، وحُلَّتي في الصَّيفِ، أي: آخُذُ كِسوةً للشِّتاءِ وكِسوةً للصَّيفِ، وقوتُ عيالي، وشِبَعي، أي: يَأخُذُ مِنَ المالِ قدَرَ كِفايَتِه مِنَ النَّفقةِ ونَفقةِ مَن تَلزَمُه نَفقَتُه مِن عيالِه وأهلِه، وسَهمي في المُسلمينَ؛ فإنَّما أنا رَجُلٌ مِنَ المُسلمينَ، أي: المالُ العامُّ الذي يوزَّعُ على المُسلمينَ كُلِّهم يَكونُ لي فيه نَصيبٌ مُعَيَّنٌ مِثلَ بَقيَّةِ المُسلمينَ.
قال مَعمَرٌ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: وإنَّما كان الذي يَحُجُّ عليه ويَعتَمِرُ بَعيرًا واحِدًا، أي: كان لعُمَرَ بَعيرٌ واحِدٌ فقَط يَحُجُّ عليه ويَعتَمِرُ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ أخذِ الوالي مِن بَيتِ المالِ قَدرَ كِفايَتِه مِنَ النَّفقةِ والكِسوةِ لنَفسِه، ولمَن يَلزَمُه نَفقَتُه .