كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأتينا بمكةَ كلَّ يومٍ مرتينِ فلمَّا كان يومٌ من ذلك جاءنا في الظهيرةِ فقالتْ يا أبتِ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فبأبي وأمي ما جاء به هذه الساعةَ إلا أمرٌ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل شعرتَ أنَّ اللهَ قد أذِنَ لي في الخروجِ فقال أبو بكرٍ فالصحابةُ يا رسولَ اللهِ قال الصحابةُ قال إنَّ عندي راحلتينِ قد علفتُهما منذُ كذا وكذا انتظارًا لهذا اليومِ فَخُذْ إحْدَاهُمَا فقال بثمنِها يا أبا بكرٍ فقال بثمنِها بأبي وأمي إنْ شئتَ قالتْ فهيأْنا لهم سفرةً ثم قطعتْ نطاقَها فربَطَتْها ببعضِه فخرجا فمكثا في الغارِ في جبلِ ثورٍ فلما انتهيا إليه دخل أبو بكرٍ الغارَ قبلَه فلم يتركْ فيه جحرًا إلا أدخل فيه أصبعَه مخافةَ أنْ يكونَ فيه هامةٌ وخرجتْ قريشٌ حين فقدوهما في بغائِهما وجعلوا في النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مائةَ ناقةٍ وخرجوا يطوفون في جبالِ مكةَ حتى انتهوا إلى الجبلِ الذي هما فيه فقال أبو بكرٍ لرجلٍ مُواجِهٍ الغارَ يا رسولَ اللهِ إنه لَيرانا فقال كلا إنَّ ملائكةً تسترُنا بأجنحتِها فجلس ذلك الرجلُ فبال مُواجِهٍ الغارَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لو كان يرانا ما فعل هذا فمكثا ثلاثَ ليالٍ يروحُ عليهما عامرُ بنُ فهيرةَ مولى أبي بكرٍ غنمًا لأبي بكرٍ ويُدْلِجُ من عندِهما فيُصبحُ مع الرعاةِ في مَراعِيها ويروحُ معهم ويُبطئُ في المشيِ حتى إذا أظلمَ الليلُ انصرفَ بغنمِه إليهما فتظنُّ الرعاةُ أنه معهم وعبدُ اللهِ بنِ أبي بكرٍ يظلُّ بمكةَ يتَطَلبُ الأخبارَ ثم يأتيِهما إذا أظلَمَ الليلُ فيُخبرُهما ثم يُدلِجُ من عندِهما فيُصبحُ بمكةَ ثم خرجا من الغارِ فأخذا على الساحلِ فجعل أبو بكرٍ يسيرُ أمامَه فإذا خشي أن يُؤتى من خلفِه سارا خلْفَه فلم يزلْ كذلِك مسيرَه وكان أبو بكرٍ رجلًا معروفًا في الناسِ فإذا لقِيَه لاقٍ فيقولون من هذا معك فيقولُ هادٍ يهديني يريدُ الهدى في الدِّينِ وحَسِبَ الآخرُ دليلًا حتى إذا كان بأبياتِ قُدَيْدٍ وكان على طريقِهما جاء إنسانٌ إلى بني مُدْلِجٍ فقال قد رأيتُ راكبينِ نحو الساحلِ فإني لَأجدُهما لَصاحبَ قريشٍ الذي تبغون فقال سراقةُ بنُ مالكٍ ذانِك راكبينِ ممن بعثْنا في طلبةِ القومِ ثم دعا جاريتَه فسارَّها فأمرَها أنْ تُخْرِجَ فرسَه ثم خرج في آثارِهما قال سراقةُ فدنوتُ منهما حتى أني لَأسمعُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثم رَكَضَتِ الفرسُ فوقعتْ بمَنْخِرَيْها فأخرجتُ قِداحتي من كنانتي فضربتُ بها أضرُّه أم لا أضرُّه فخرج لا تضرُّه فأبتْ نفسي حتى أتَّبِعَه فأتيتُ ذلك الموضعَ فوقعتِ الفرسُ فاسْتَخْرَجْتُ يدَيْه مرةً أُخرى فضربتُ بالقداحِ أضرُّه أم لا فخرج لا تضرُّه فأبَتْ نفسي حتى إذا كنتُ منه بمثلِ ذلك الموضعِ خشيةَ أن يُصيبَني مثلُ ما أصابني بأَذِيَّتِه فقلتُ إني أرى سيكونُ لك شأنٌ فقِفْ أُكَلِّمُك فوقفَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فسألَه أنْ يكتبَ له أمانًا فأمر أنْ يكتبَ فكتب له قال سراقةُ فلمَّا كان يومَ حنينٍ وأخرجْتُه وناديتُ أنا سراقةُ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومُ وفاءٍ قال سراقةُ فما شُبِّهَتْ ساقُه في غَرْزِهِ إلا بحِمارٍ فذكرتُ شيئًا أسألُه عنه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي رجلٌ ذا نَعَمٍ، وإِنَّ الحِيَاضَ تُمْلَأُ من الماءِ، فنَشْرَبُ فيفْضُلُ من الماءِ في الحِيَاضِ، فيَرِدُ الْهَمَلُ فهل لي في ذلِك من أجرٍ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نعمْ في كلِّ كبدٍ حَرَّى أجرٌ

الدلالات الموضوعية:# ملائكة - أعمال الملائكة# مناقب وفضائل - أبو بكر الصديق# مغازي - هجرة النبي إلى المدينة# مغازي - غزوة حنين# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - عصمة الله له من الناس
المصدر: مجمع الزوائد
الراوي: أسماء بنت أبي بكر
المحدث: الهيثمي
الحكم:فيه يعقوب بن حميد بن كاسب وبقية رجاله رجال الصحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطبراني (24/106) (284) بنحوه، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/109) مختصرا بنحوه

الشرح والتوضيح

لمَّا اشتَدَّ إيذاءُ كُفَّارِ قُرَيشٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذِنَ اللهُ لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالهِجرةِ، فهاجَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واتَّخَذَ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنه رَفيقًا له في الهجرةِ.

وفي هذا الحَديثِ تَحكي أسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنها قِصَّةَ هِجرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتَقولُ: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتينا بمَكَّةَ، أي: وهم في مَكَّةَ قَبلَ الهجرةِ، كُلَّ يَومٍ مَرَّتَينِ، أي: يَزورُ بَيتَ أبي بَكرٍ مَرَّتَينِ في اليَومِ، فلمَّا كان يَومٌ مِن ذلك، أي: في أحَدِ الأيَّامِ، جاءَنا في الظَّهيرةِ، أي: جاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بَيتِ أبي بَكرٍ أوَّلَ الزَّوالِ، وهو أشَدُّ ما يَكونُ في حَرارةِ النَّهارِ، والغالِبُ في أيَّامِ الحَرِّ القَيلولةُ فيها، فقالت أسماءُ: يا أبَتِ، هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: نادَت أباها وأخبَرَته بأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد جاءَ الآنَ، فقال أبو بَكرٍ: فبأبي وأُمِّي، أي: أفديه بوالدي! ما جاءَ به هذه السَّاعةَ إلَّا أمرٌ، أي: أنَّ مَجيئَه في هذا الوقتِ لأجلِ شَيءٍ ما، وذلك أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَكُنْ يَأتيهم في مِثلِ هذا الوقتِ وقتِ حَرارةِ الشَّمسِ.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي بَكرٍ: هل شَعَرتَ أنَّ اللَّهَ قد أذِنَ لي في الخُروجِ؟! أي: أعلِمتَ يا أبا بَكرٍ بإذنِ اللهِ لي في الهجرةِ إلى المَدينةِ؟ فقال أبو بَكرٍ: فالصَّحابةَ يا رَسولَ اللهِ، أي: أُريدُ المُصاحَبةَ لك يا رَسولَ اللهِ في هجرَتِك.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الصَّحابة، أي: أنتَ رَفيقي وصاحِبي.

فقال أبو بَكرٍ: إنَّ عِندي راحِلتَينِ، أي: ناقَتَينِ قد عَلفتُهما مُنذُ كَذا وكَذا، أي: كُنتُ أسوقُ لهما العَلَفَ مُنذُ أيَّامٍ وأُجَهِّزُهما انتِظارًا لهذا اليَومِ، أي: ليَومِ هجرَتِنا، فخُذْ إحداهما، أي: فخُذْ يا رَسولَ اللهِ إحدى النَّاقَتَينِ.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بثَمَنِها يا أبا بَكرٍ، أي: لن آخُذَها إلَّا بقيمَتِها التي اشتَرَيتَها بها.

فقال أبو بَكرٍ: بثَمَنِها بأبي وأُمِّي إن شِئتَ، أي: خُذها بالثَّمَنِ يا رَسولَ اللهِ إن أحبَبتَ، وإلَّا فإنَّها لك ولا أُريدُ ثَمَنًا.

قالت أسماءُ: فهَيَّأنا لهم سُفرةً، وهيَ الزَّادُ الذي يُصنَعُ للمُسافِرِ، أي: جَهَّزَنا لهم طَعامًا، ثُمَّ قَطَعَت نِطاقَها.

والنِّطاقُ: ما يُشَدُّ به الوسَطُ، وقيل: هو ثَوبٌ تَلبَسُه المَرأةُ، ثُمَّ تَشُدُّ وسَطَها بحَبلٍ، ثُمَّ تُرسِلُ الأعلى على الأسفَلِ، وسُمِّيت أسماءُ بذاتِ النِّطاقَينِ؛ لأنَّها كانت تَجعَلُ نِطاقًا على نِطاقٍ، فرَبَطَتها ببَعضِه، أي: قَطَعَتِ النِّطاقَ ورَبَطَت بَعضَه ببَعضٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ فمَكَثا في الغارِ في جَبَلِ ثَورٍ، أي: أنَّهما ظَلَّا فيه أيَّامًا وَقتَ بَحثِ كُفَّارِ قُرَيشٍ عنهما، وكان عِندَ وُصولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبي بَكرٍ إلى الغارِ، دَخَل أبو بَكرٍ الغارَ قَبلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُهَيِّئَ أبو بَكرٍ المَكانَ في الغارِ، فلم يَترُكْ فيه جُحرًا، أي: ثُقبًا مِنَ الثُّقوبِ، إلَّا أدخَل فيه أُصبُعَه مَخافةَ أن يَكونَ فيه هامةٌ، أي: ثُعبانٌ أو شَيءٌ مُؤذٍ مِن حَشَراتِ الأرضِ.

وخَرَجَت قُرَيشٌ حينَ فقدوهما في بِغائِهما، أي: في طَلَبِهما والبَحثِ عنهما، وجَعَلوا في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِئةَ ناقةٍ، أي: حَدَّدوا جائِزةً لمَن يَأتي بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِئةً مِنَ الإبِلِ.

وخَرَجوا يَطوفونَ في جِبالِ مَكَّةَ، أي: يَبحَثونَ ويَسعَونَ حتَّى انتَهَوا إلى الجَبَلِ الذي هما فيه، أي: الجَبَلِ الذي اختَبَأ فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ.

فقال أبو بَكرٍ لرَجُلٍ مواجِهٍ الغارَ، أي: مُقابلٍ لبابِ الغارِ: يا رَسولَ اللهِ إنَّه ليَرانا، أي: إنَّ هذا الرَّجُلَ يا رَسولَ اللهِ يَرانا؛ فهو في واجِهةِ بابِ الغارِ.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كَلَّا، أي: لا يَرانا؛ فإنَّ مَلائِكةً تَستُرُنا بأجنِحَتِها، أي: فقد جَعَل اللهُ مَلائِكةً تُغَطِّينا عنهم بأجنِحَتِها، فهم لا يَرَونَنا، فجَلسَ ذلك الرَّجُلُ فبال مواجِهَ الغارِ، أي: جَلسَ وبال وهو يَظُنُّ أنَّه ليسَ هناكَ أحَدٌ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو كان يَرانا ما فعَل هذا، أي: لو كان يَرانا لم يَجلِسْ ليَبولَ، ولكِنَّه لمَّا تَيَقَّنَ أنَّه لا يوجَدُ في المَكانِ أحَدٌ جَلسَ وبال.

فمَكَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ في الغارِ ثَلاثَ ليالٍ، يَروحُ عليهما عامِرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بَكرٍ غَنَمًا لأبي بَكرٍ، أي: يَأتي لهما عامِرُ بنُ فُهَيرةَ في نِهايةِ النَّهارِ قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ وهو يَسوقُ الغَنَمَ، ويُدلِجُ مِن عِندِهما، أي: يَخرُجُ وقتَ السَّحَرِ مُنصَرِفًا إلى مَكَّةَ، فيُصبحُ مَعَ الرُّعاةِ في مَراعيها، أي: فيَكونُ في الصَّباحِ مَعَ الرُّعاةِ في المَرعى، ويَروحُ مَعَهم، أي: يَنصَرِفُ مَعَ الرُّعاةِ في نِهايةِ اليَومِ ويُبطِئُ في المَشيِ، أي: يَتَأخَّرُ في المَشيِ حتَّى يَتَقدَّمَ الرُّعاةُ، وهو يَتَأخَّرُ حتَّى إذا أظلمَ اللَّيلُ انصَرَف بغَنَمِه إليهما، أي: ذَهَبَ هو والغَنَمُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبي بَكرٍ، فتَظُنُّ الرُّعاةُ أنَّه مَعَهم، أي: يَحسَبونَه مَعَهم؛ لأنَّه يُصبحُ مَعَهم، وفي المَساءِ يُبطِئُ خَلفَهم، وعَبدُ اللهِ بنُ أبي بَكرٍ يَظَلُّ بمَكَّةَ يَتَطَلَّبُ الأخبارَ ثُمَّ يَأتيهما إذا أظلمَ اللَّيلُ فيُخبرُهما، أي: كان عَمَلُ عَبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرٍ أنَّه يَبقى في مَكَّةَ مَعَ قُرَيشٍ ويَستَمِعُ أخبارَ المُشرِكينَ ثُمَّ يَذهَبُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبي بَكرٍ في الظَّلامِ ويُخبرُهما، ثُمَّ يُدلجُ مِن عِندِهما، أي: يَخرُجُ وقتَ السَّحَرِ مُنصَرِفًا إلى مَكَّةَ، فيُصبحُ بمَكَّةَ ولا يَشعُرُ أحَدٌ بما فعَل.

ثُمَّ خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ مِنَ الغارِ فأخَذا على السَّاحِلِ، أي: خالفا الطَّريقَ المُعتادةَ في السَّفرِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ ومَشَيا مِن جِهةِ البَحرِ حتَّى لا تَفطُنَ لهما قُرَيشٌ؛ فقد كانوا يَرصُدونَ الطَّريقَ، فجَعَل أبو بَكرٍ يَسيرُ أمامَه، أي: كان أبو بَكرٍ يَمشي أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَستَعلمَ الطَّريقَ وحتَّى لا يَكونَ أحَدٌ أمامَه يَرصُدُه، فإذا خَشيَ أن يُؤتى مِن خَلفِه سارا خَلفَه، أي: إذا خاف أبو بَكرٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَأتيَه أحَدٌ مِن خَلفٍ مَشى أبو بَكرٍ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلم يَزَلْ كذلك مَسيرَه، أي: ظَلَّ أبو بَكرٍ على هذه الحالةِ يَمشي أمامَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأحيانًا خَلفَه طولَ سَفَرِ هِجرَتِهم.

وكان أبو بَكرٍ رَجُلًا مَعروفًا في النَّاسِ، أي: كان النَّاسُ يَعرِفونَ أبا بَكرٍ لكَثرةِ ما كان يُسافِرُ في التِّجارةِ، فإذا لقيَه لاقٍ، أي: لقيَ شَخصٌ أبا بَكرٍ، فيَقولونَ: مَن هذا مَعَك؟ أي: مَن هذا الشَّخصُ الذي مَعَك؟ وكانوا لا يَعرِفونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فيَقولُ أبو بَكرٍ: هادٍ يَهديني، أي: يُرشِدُني ويَدُلُّني على طَريقِ الخَيرِ، يُريدُ الهدى في الدِّينِ، أي: مَقصودُ أبي بَكرٍ أنَّه يَهديه في الدِّينِ، وحَسِبَ الآخَرُ دَليلًا، أي: فَهِم النَّاسُ مِن قَولِه أنَّه الذي يَدُلُّه على طَريقِ السَّفرِ.

حتَّى إذا كانا بأبياتِ قُدَيدٍ، وهو وادٍ مِن أوديةِ الحِجازِ التِّهاميَّةِ يَقطَعُه الطَّريقُ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ على نَحوٍ مِن 125 كَيلًا، كان على طَريقِهما، جاءَ إنسانٌ إلى بَني مُدلِجٍ، أي: قَبيلةِ مُدلِجٍ، يُخبرُهم، فقال: قد رَأيتُ راكِبينِ نَحوَ السَّاحِلِ فإنِّي لأجِدُهما لَصاحِبُ قُرَيشٍ الذي تَبغونَ، أي: لعَلَّ هَذَينِ الرَّاكِبَينِ مَن تَبحَثُ عنهما قُرَيشٌ.

فقال سُراقةُ بنُ مالِكٍ، وهو من بَني مُدلِجٍ: ذانِك راكِبان مِمَّن بَعَثنا في طلبةِ القَومِ، أي: أوهَمَ سُراقةُ الرَّجُلَ بأنَّ الرَّجُلينِ ليسا هما من تَبحَثُ عنهما قُرَيشٌ، وإنَّما شَخصانِ بَعَثناهما تَبَعَ القَومِ.

ثُمَّ دَعا سُراقةُ جاريَتَه، فسارَّها، أي: أسَرَّ إليها خَبرًا فيما بَينَهما، فأمَرها أن تُخرِجَ فرَسَه، أي: تُجَهِّزَ له فرَسَه وتَنتَظِرَه في مَكانٍ حتَّى يجيءَ ويَأخُذَ الفرَسَ، ثُمَّ خَرَجَ سُراقةُ في آثارِهما، أي: يَتَتَبَّعُ أثَرَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبي بَكرٍ.

قال سُراقةُ: فدَنَوتُ مِنهما حتَّى أنِّي لأسمَعُ قِراءةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: قَرُبَت مِنهما قُربًا شَديدًا حتَّى مِن شِدَّةِ قُربي كُنتُ أسمَعُ قِراءةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالقُرآنِ.

ثُمَّ رَكَضتُ الفرَسَ، أي: ضَرَبتُها حتَّى تَجريَ فوقَعَت بمِنخَرَيها، أي: سَقَطَت على وَجهِها، فأخرجتُ قداحتي.

والقدَحُ، هو السَّهمُ الذي كانوا يَستَقسِمونَ به، وقيل: هيَ السِّهامُ التي لا ريشَ لها ولا نَصلَ، مِن كِنانَتي.

والكِنانةُ: الخَريطةُ المُستَطيلةُ التي فيها السِّهامُ، فضَرَبتُ بها أضُرُّه أم لا أضُرُّه، أي: استَقسَمَ بها، والاستِقسامُ: طَلَبُ مَعرِفةِ ما قُسِمَ له، كَعادةِ الجاهليَّةِ عِندَما يُريدونَ أمرًا، فجَعَل يُحَرِّكُ السِّهامَ هَل يَضُرُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو لا يَضُرُّه.

فخَرَجَ لا تَضُرُّه، أي: خَرَجَ السَّهمُ الذي لا يَضُرُّه، فأبَت نَفسي حتَّى أتبَعَه، أي: امتَنَعَت نَفسي إلَّا اللَّحاقَ بهما، وهو يَرجو ويُؤَمِّلُ أن يَحصُلَ على جائِزةِ قُرَيشٍ إذا أمسَكَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فأتَيتُ ذلك المَوضِعَ، أي: المَوضِعَ السَّابقَ التي سَقَطتُ فيه، فوقَعَتِ الفرَسُ، أي: سَقَطَتِ الفرَسُ مَرَّةً ثانيةً في الأرضِ حتَّى غاصَت ساقُ الفرَسِ في الأرضِ، فاستَخرَجتُ يَدَيه مَرَّةً أُخرى، أي: أخرجتُ يَدَيِ الفَرَسِ مِنَ الأرضِ، فضَرَبتُ بالقِداحِ أضُرُّه أم لا فخَرَجَ لا تَضُرُّه، فأبَت نَفسي حتَّى إذا كُنتُ مِنه بمِثلِ ذلك المَوضِعِ، أي: الذي سَقَطَ فيه الفرَسُ؛ خَشيةَ أن يُصيبَني مِثلَ ما أصابَني بأذيَّتِه، أي: خِفتُ أن أُصابَ بأذًى مِنَ الفرَسِ إذا سَقَطَ مَرَّةً ثالثةً.

فقال سُراقةُ يُخاطِبُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي أرى سَيَكونُ لك شَأنٌ، أي: أنَّه ما حَصَل لفرَسي هذا الأمرُ ومُنِعتُ مِنَ اللَّحاقِ بك إلَّا أنَّه سيَكونُ لك شَأنٌ عَظيمٌ، فقِفْ أُكَلِّمُك، فوقَف النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَأل سُراقةُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَكتُبَ له أمانًا، أي: بأن يُؤَمِّنَه، فأمَر رَسولُ اللهِ أن يُكتَبَ، فكُتِبَ له كِتابٌ.

قال سُراقةُ: فلمَّا كان يَومُ حُنَينٍ، أي: في غَزوةِ حُنَينٍ، وأخرَجتُه، أي: أخرجتُ الكِتابَ الذي فيه الأمانُ، ونادَيتُ: أنا سُراقةُ، أي: حتَّى يَعرِفَه رَسولُ اللهِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَومُ وَفاءٍ، أي: هذا اليَومُ نَفي لك ما عاهَدناك عليه، قال سُراقةُ: فما شَبَّهتُ ساقَه، أي: ساقَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في غَرزِه -والغَرزُ: هو رِكابٌ مِن جِلدٍ أو خَشَبٍ يَكونُ على الجَمَلِ، يُدخِلُ الرَّاكِبُ رِجلَه فيه حتَّى يَركَبَ- إلَّا بجُمَّارٍ، وهو قَلبُ النَّخلةِ وشَحمَتُها، شَبَّه ساقَه في بَياضِها بمِثلِ جُمَّارِ النَّخلةِ، يَقولُ سُراقةُ: فذَكَرتُ شَيئًا أسألُه عنه، أي: ذَكَرتُ أمرًا أُريدَ أن أسألَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي رَجُلٌ ذو نَعَمٍ، أي: صاحِبُ إبِلٍ كَثيرةٍ، وإنَّ الحياضَ تُملأُ مِنَ الماءِ، فنَشرَبُ، أي: أنَّه يَملأُ حياضَه بالماءِ حتَّى تَشرَبَ مِنها إبلُه، فيَفضُلُ مِنَ الماءِ في الحياضِ، أي: يَبقى فيها بَقيَّةٌ، فيَرِدُ الهَملُ -وهيَ ضَوالُّ الإبِلِ التي أهمِلَت وتَرعى بأنفُسِها، فتَأتي على حياضِه فتَشرَبُ مِن ذلك الماءِ- فهَل لي في ذلك مِن أجرٍ؟ أي: فهَل أُؤجَرُ على سَقيي لهذه الهَمَلِ وشُربِها مِن حياضي.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، أي: لك أجرٌ.

في كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى أجرٌ.

الحَرَّى: فَعْلى مَنِ الحَرِّ، وهيَ تَأنيثُ حَرَّانَ، وهما للمُبالغةِ، يُريدُ أنَّها لشِدَّةِ حَرِّها قد عَطِشَت ويَبِسَت مِنَ العَطَشِ.

والمَعنى: أنَّ في سَقيِ كُلِّ ذي كَبِدٍ حَرَّى أجرًا.

وقيل: أرادَ بالكَبِدِ الحَرَّى حَياةَ صاحِبِها؛ لأنَّه إنَّما تَكونُ كَبِدُه حَرَّى إذا كان فيه حَياةٌ، يَعني في سَقيِ كُلِّ ذي رُوحٍ مِنَ الحَيَوانِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ كَيفيَّةِ هِجرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه صُحبةُ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الهِجرةِ.

وفيه الاستِعدادُ والتَّجهيزُ للهِجرةِ.

وفيه فَضلُ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فَضلُ آلِ أبي بَكرٍ وبَيانُ دَورِهم في هِجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ مَدى حُبِّ أبي بَكرٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وخَوفِه عليه.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّوريةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الأخذِ بالأسبابِ في الأُمورِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ.

وفيه حِفظُ اللَّهِ تعالى لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحِبِه في الهِجرةِ.

وفيه فِطنةُ سُراقةَ بنِ مالِكٍ.

وفيه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ وَفاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما عاهَدَ عليه سُراقةَ.

وفيه بَيانُ الأجر في سَقيِ الماءِ لكُلِّ ذاتِ كَبِدٍ مِن إنسانٍ أو حَيَوانٍ .

الأصول والأحكام

[المعجم الكبير – للطبراني] (24/ 106) :

284 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا بمكة كل يوم مرتين، فلما كان يوما من ذلك جاءنا في الظهيرة، فقلت: يا أبة، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي وأمي ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل ‌شعرت ‌أن ‌الله ‌قد ‌أذن ‌لي في الخروج؟ فقال أبو بكر: فالصحابة يا رسول الله، قال: الصحابة فقال أبو بكر: إن عندي لراحلتين قد علفتهما منذ كذا وكذا انتظارا لهذا اليوم، فخذ إحداهما، فقال: بثمنها يا أبا بكر قال: بثمنها بأبي أنت وأمي إن شئت، قالت: فهيأنا لهم سفرة، ثم قطعت نطاقها فربطتها ببعضه فخرجا فمكثا في الغار في جبل ثور، فلما انتهيا إليه دخل أبو بكر الغار قبله، فلم يترك فيه جحرا إلا أدخل فيه أصبعه مخافة أن يكون فيه هامة، وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما، وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، وخرجوا يطوفون في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي هما فيه، فقال أبو بكر لرجل يراه مواجه الغار: يا رسول الله إنه ليرانا، فقال: كلا إن ملائكة تسترنا بأجنحتها فجلس ذلك الرجل فبال مواجه الغار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان يرانا ما فعل هذا فمكثا ثلاث ليال يروح عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر غنما لأبي بكر، ويدلج من عندهما، فيصبح مع الرعاة في مراعها، ويروح معهم ويتطأطأ في المشي حتى إذا أظلم انصرف بغنمه إليهما، فيظن الرعاة أنه معهم، وعبد الله بن أبي بكر يظل بمكة يبطش الأخبار، ثم يأتيهما إذا أظلم فيخبرهما، ثم يدلج من عندهما فيصبح بمكة كبائت، ثم خرجا من الغار فأخذا على الساحل فجعل أبو بكر يسير أمامه، فإذا خشي أن يؤتى من خلفه سار خلفه فلم يزل كذلك مسيره، وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق قال لأبي بكر: من هذا معك؟ فيقول: هاد يهديني، يريد الهداية في الدين ويحسبه الآخر دليلا، حتى إذا كانا بأبيات قديد وكان على طريقهما على الساحل جاء إنسان إلى مجلس بني مدلج، فقال: قد رأيت راكبين نحو الساحل، فإني أرى أحدهما لصاحب قريش الذي يبغون، فقال سراقة بن مالك: ذانك راكبان ممن بعثنا في طلبه يواس القوم، ثم دعا جاريته فسارها فأمرها أن تخرج بفرسه وتحط رمحه ولا تنصبه حتى يأتيه في قراره بموضوع كذا وكذا، ثم يجيئها فركب فرسه ثم خرج في آثارهما، فقال سراقة: فدنوت منهما حتى إني لأسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركضت الفرس فوقعت بمنخرها، فأخرجت قداحا في كنانتي فضربت بها أضره أم لا أضره فخرج لا تضره، فأبت نفسي حتى اتبعته، فأدركته بمثل ذلك الموضع، فوقعت الفرس فاستخرجت يده مرة أخرى، فضربت بالقداح أضره أم لا أضره فخرج لا تضره، فأبت نفسي حتى إذا كنت بمثل ذلك الموضع خشيت أن يصيبني مثل ما أصابني فناديته فقلت: إني أرى سيكون لك شأنا فقف أكلمك، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يكتب له أمانا، فأمره أن يكتب له فكتب له، قال سراقة: فلما كان يوم حنين جئت بالكتاب فأخرجته وناديت أنا سراقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء قال سراقة: فما شبهت ساقه في غرره إلا الجمار فذكرت له شيئا أسأله، فقلت: يا رسول الله إني رجل ذو نعم، وإن الحياض تملأ من الماء فيشرب فيفضل من الماء في الحياض فيرد الهمل، فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم في كل كبد حرى أجر.

[حلية الأولياء – لأبي نعيم] - ط السعادة (1/ 109) :

حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن عمرو بن الخلال ثنا يعقوب بن حميد ثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر .

قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه فمكثا في الغار ثلاث ليال، وكان يروح عليهما ‌عامر ‌ابن ‌فهيرة مولى أبي بكر يرعى غنما لأبي بكر ويدلج من عندهما فيصبح مع الرعاة في مراعيها، ويروح معهم ويتباطأ في المشي، حتى إذا أظلم انصرف بغنمه إليهما فيظن الرعاة أنه معهم.

أحاديث ذات صلة