أنَّ رجُلًا سبَّ أبا بَكرٍ عندَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والنَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ لا يقولُ شيئًا، فلمَّا سكَتَ، ذهَبَ أبو بَكرٍ يَتكلَّمُ، فقام رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واتَّبَعَه أبو بَكرٍ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، كان يَسُبُّني، وأنتَ جالسٌ، فلمَّا ذهبْتُ أتكلَّمُ، قُمْتَ.
قال: إنَّ المَلَكَ كان يرُدُّ عنكَ، فلمَّا تَكلَّمتَ، ذهبَ المَلَكُ، ووقَعَ الشيطانُ، وكَرِهتُ أنْ أجلِسَ يا أبا بَكرٍ، ثلاثٌ كُلُّهنَّ حقٌّ: ليس عبدٌ يُظلَمُ بمَظلَمةٍ، فيُغْضي عنها إلَّا أعَزَّ اللهُ بها نَصْرَه، وليس عبدٌ يَفتَحُ بابَ مَسألةٍ يَبْتَغي بها كَثرةً إلَّا زادَه بها قِلَّةً، وليس عبدٌ يَفتَحُ بابَ عَطيَّةٍ يَبْتَغي بها وَجهَ اللهِ أو صِلةً إلَّا زادَه اللهُ به كَثرةً.
مِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ أنَّها حَثَّت على الصَّبرِ على المُسيءِ وعَدَمِ الرَّدِّ على إساءَتِه، وهو وإن كان يُشرَعُ للمَرءِ أن يَرُدَّ على مَن سَبَّه بمِثلِ سَبِّه، لكِنَّ الصَّبرَ عنه أَولى وأفضَلُ، واللَّهُ تعالى يَتَكَفَّلُ بمَن يَرُدُّ على المُسيءِ.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه كانا جالِسَينِ فجاءَ رَجُلٌ فجَعَل يَسُبُّ أبا بَكرٍ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ ولا يَقولُ شَيئًا، أي: ساكِتٌ لم يَأمُرْ أبا بَكرٍ بالرَّدِّ عليه.
فلمَّا سَكَتَ، أي: لمَّا انتَهى الرَّجُلُ مِن سَبِّ أبي بَكرٍ ذَهَبَ أبو بَكرٍ يَتَكَلَّمُ، أي: شَرَع أبو بَكرٍ يَتَكَلَّمُ ويَرُدُّ على الرَّجُلِ سِبابَه، فعِندَ ذلك قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَرَكَ المَجلِسَ وانصَرَف، واتَّبَعَه أبو بَكرٍ، أي: قامَ أبو بَكرٍ ولحِقَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: يا رَسولَ اللهِ، كان يَسُبُّني، وأنتَ جالسٌ، أي: عِندَما كان الرَّجُلُ يَسُبُّني كُنتَ جالسًا لم تَتَكَلَّمْ.
فلمَّا ذَهَبتُ أتَكَلَّمُ قُمتَ، أي: عِندَما شَرَعتُ أرُدُّ على الرَّجُلِ قُمتَ يا رَسولَ اللهِ مِنَ المَجلسِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ المَلَكَ كان يَرُدُّ عنك، أي: يا أبا بَكرٍ كان هناكَ مَلَكٌ يَرُدُّ على الرَّجُلِ بَدَلًا عنك، فلمَّا تَكَلَّمتَ، أي: فلمَّا أخَذتَ تَرُدُّ على الرَّجُلِ، ذَهَبَ المَلَكُ، ووقَعَ الشَّيطانُ، أي: حَضَرَ الشَّيطانُ بَعدَ ذَهابِ المَلَكِ، والشَّيطانُ إنَّما يَأمُرُ بالفَحشاءِ والمُنكَرِ، فخِفتُ عليك أن تَتَعَدَّى على خَصمِك وتَرجِعَ ظالمًا بَعدَ أن كُنتَ مَظلومًا، وأبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه وإن كان جَمَع بَينَ الانتِقامِ عن بَعضِ حَقِّه وبَينَ الصَّبرِ عن بَعضِه، لكِن لمَّا كان المَطلوبُ مِنه الكَمالَ المُناسِبَ لمُرَتَبَتِه مِنَ الصِّدِّيقيَّةِ لم يَستَحسِنْه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكَرِهتُ أن أجلِسَ يا أبا بَكرٍ، أي: كَرِهتُ أن أجلسَ في مَجلسٍ حَضَرَ فيه الشَّيطانُ وغابَت عنه المَلائِكةُ.
ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثَلاثٌ كُلُّهنَّ حَقٌّ، أي: ثَلاثُ خِصالٍ جَميعُهنَّ مُتَحَقِّقةٌ وكائِنةٌ، وهي: ليسَ عَبدٌ يُظلَمُ بمَظلَمةٍ، أي: يَقَعُ عليه ظُلمٌ في إحدى مَظالمِ الدُّنيا مِن بَعضِ النَّاسِ، فيُغضي عنها، أي: يَعفو ويَتَجاوزُ عنها، إلَّا أعَزَّ اللَّهُ بها نَصرَه، أي: أبدَلَه اللهُ بعَفوِه عن مَظلمَتِه عِزَّةً ونُصرةً على مَن ظَلمَه.
وليسَ عَبدٌ يَفتَحُ بابَ مَسألةٍ، أي: يَسألُ النَّاسَ أموالَهم مُدَّعيًا الفَقرَ والحاجةَ، يَبتَغي بها كَثرةً، أي: يُريدُ مِن سُؤالِ النَّاسِ أن يَكثُرَ مالُه، إلَّا زادَه بها قِلَّةً، أي: عاقَبَه اللهُ بنَقيضِ قَصدِه، فلا يَزيدُه سُؤالُه للنَّاسِ إلَّا قِلَّةً وفَقرًا وحاجةً، وليسَ عَبدٌ يَفتَحُ بابَ عَطيَّةٍ، أي: يُنفِقُ ويَتَصَدَّقُ يَبتَغي بها وَجهَ اللهِ، أي: يُريدُ بذلك الأجرَ والثَّوابَ مِنَ اللهِ، أو صِلةً، أي: صِلةَ رَحِمٍ، إلَّا زادَه اللهُ به كَثرةً، أي: زاده اللهُ بنَفقَتِه كَثرةً في مالِه.
وفي الحَديثِ الحَثُّ على عَدَمِ مُقابَلةِ الإساءةِ بالإساءةِ.
وفيه أنَّ المَجالِسَ التي يَقَعُ فيها السِّبابُ مَجالِسُ يَحضُرُها الشَّيطانُ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَركِ مَجالِسِ السِّبابِ ونَحوِها.
وفيه أنَّ اللَّهَ يوكِلُ مَلَكًا يَرُدُّ على السَّابِّ ما لم يَرُدَّ المَسبوبُ عليه.
وفيه فَضلُ العَفوِ عنِ المَظلَمةِ.
وفيه أنَّ اللَّهَ تعالى يَنصُرُ المَظلومَ.
وفيه خُطورةُ ووعيدُ مَن فتَحَ على نَفسِه بابَ المَسألةِ.
وفيه بَيانُ ثَوابِ وأجرِ مَن تصَدَّق وأعطى مِن مالِه .