- قال ابنُ عُمَرَ: فجَعَلَ خالِدٌ يَقتُلُ، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أبرَأُ إليكَ مِمَّا صَنَعَ خالِدٌ.
وقال عُمَرُ: إذا قال: مَتْرَسْ ؛ فقد آمَنَه، إنَّ اللهَ يَعلَمُ الألسِنةَ كُلَّها.
وقال: تَكلَّمْ؛ لا بأْسَ.
بَعَثَ اللَّهُ تعالى نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للنَّاسِ كافَّةً عَرَبِهم وعَجَمِهم حتَّى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، ويَدخُلوا في الإسلامِ، فمَن قال ذلك أصبَحَ مُسلِمًا، ولا يُشتَرَطُ أن يَقولَها باللُّغةِ العَرَبيَّةِ، وإنَّما يَكفي أن يُسلِمَ ويَنطِقَ بلُغَتِه التي يَتَكَلَّمُ بها، ويَكونُ ذلك كافيًا في دُخولِه الإسلامَ، فالمَقاصِدُ تُعتَبَرُ بأدِلَّتِها كَيفما كانتِ الأدِلَّةُ، لفظيَّةً أو غَيرَ لفظيَّةٍ، بأيِّ لُغةٍ كانت.
وهذا الحَديثُ له سَبَبٌ وقِصَّةٌ، وهو أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ خالِدَ بنَ الوليدِ إلى حَيٍّ مِن أحياءِ العَرَبِ، فلمَّا أرادَ خالِدٌ قِتالَهم قالوا: صَبَأنا، وأرادوا أسلَمْنا، فلم يَقبَلْ خالِدٌ ذلك مِنهم وقَتَلَهم بناءً على ظاهرِ اللَّفظِ، فلمَّا وصَل الخَبَرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبما صَنَعَه خالِدٌ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أبرَأُ إليك مِمَّا صَنَعَ خالِدٌ! أي: اللهُمَّ إنِّي بَريءٌ مِمَّا فعَله خالدٌ مِن قَتلِ هؤلاء القَومِ.
فدَلَّ على أنَّه يُكتَفى مِن كُلِّ قَومٍ بما يُعرَفُ مِن لُغَتِهم؛ ولهذا جاءَ عن عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال للجَيشِ الذينَ ذَهَبوا يُقاتِلونَ فارِسَ: إذا لقيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فقال: مَتْرَسْ، أي: تَكَلَّمَ بهذه الكَلِمةِ بلُغتِه، وهيَ كَلمةٌ فارِسيَّةٌ مَعناها: لا تَخَفْ، فقد آمَنُه، أي: فهو في أمانٍ، إنَّ اللَّهَ يَعلمُ الألسِنةَ كُلَّها، أي: فاللهُ يَعلمُ جَميعَ لُغاتِ النَّاسِ.
وأيضًا جاءَ عن عُمَرَ أنَّه قال للهُرْمُزانِ، وهو مِن فارِسَ، لمَّا نَزَل على حُكمِ عُمَرَ، قال له عُمَرُ: تَكَلَّمْ، لا بَأسَ عليك، أي: تَكَلَّمْ بلُغَتِك، وكان ذلك عَهدًا وتَأمينًا مِن عُمَرَ للهُرْمُزانِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ دُخولِ الكافِرِ للإسلامِ بلُغَتِه.
وفيه عَدَمُ لُزومِ التَّكَلُّمِ بالعَرَبيَّةِ لمَن كان لا يُحسِنُها .