عن أبي هُرَيْرةَ قالَ : دَخلتُ على عثمانَ يومَ الدَّارِ فقُلتُ : جئتُ لأنصرَكَ وقد طابَ الضَّربُ يا أميرَ المؤمنينَ .
فقالَ : يا أبا هُرَيْرةَ ، أيسرُّكَ أن تقتُلَ النَّاسَ جميعًا وإيَّايَ معَهُم ؟ قلتُ : لا .
قالَ : فإنَّكَ إن قَتلتَ رجلًا واحدًا فَكَأنَّما قَتلتَ النَّاسَ جميعًا ، فانصرِف مأذونًا لَكَ ، مأجورًا غيرَ مأزورٍ .
قالَ : فانصرَفتُ ولم أقاتِلْ
حَرَّمَ اللَّهُ تعالى القَتلَ وجَعَل عاقِبَتَه شَديدةً في الدُّنيا والآخِرةِ، وأخبَرَ سُبحانَه أنَّ مَن قَتَل نَفسًا واحِدةً فكَأنَّما قَتَل النَّاسَ جَميعًا.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه دَخَل على عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه يَومَ الدَّارِ، أي: يَومَ حُوصِرَ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه في دارِه بالمَدينةِ، ودَخلَ عليه المُتَآمِرونَ على قَتلِه، فقال أبو هرَيرةَ لعُثمانَ: جِئتُ لأنصُرَك، أي: لأحميَك وأُدافِعَ عنك، وقد طابَ الضَّربُ يا أميرَ المُؤمِنينَ، أي: حَلَّ القِتالُ، فقال عُثمانُ: يا أبا هرَيرةَ، أيَسُرُّك أن تَقتُلَ النَّاسَ جَميعًا وإيَّايَ مَعَهم؟ أي: هَل تُحِبُّ أنَّك قَتَلتَ النَّاسَ جَميعًا وأنا مَعَهم؟ فقال أبو هرَيرةَ: لا، أي: لا أُحِبُّ ذلك.
فقال عُثمانُ: فإنَّك إن قَتَلتَ رَجُلًا واحِدًا فكَأنَّما قَتَلتَ النَّاسَ جَميعًا، أي: فاعلَمْ يا أبا هرَيرةَ أنَّ مَن قَتَل رَجُلًا واحِدًا مِن هؤلاء فهو كَمَن قَتَل النَّاسَ جَميعًا، كَما قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .
فانصَرِفْ مَأذونًا لك، أي: اذهَبْ يا أبا هرَيرةَ؛ فقد أذِنتُ لك في الذَّهابِ، وتَركِك لنُصرَتي، مَأجورًا غَيرَ مَأزورٍ، أي: حتَّى تَنالَ الأجرَ بكَفِّك عنِ القِتالِ ولا ينالَك الوِزرُ والإثمُ إذا قاتَلتَ.
يَقولُ أبو هرَيرةَ: فانصَرَفتُ ولم أُقاتِلْ، أي: لم أُشارِكْ في قِتالِ أولئك القَومِ.
وفي الحَديثِ عَظيمُ خُطورةِ القَتلِ.
وفيه بَيانُ عَدَمِ مُشارَكةِ أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه في القِتالِ مَعَ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فَضلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وحِرصُه على حَقنِ دِماءِ المُسلمينَ .