اجتَمِعوا في مساجدِكم فإذا اجتَمَع كلُّ قومٍ فليُؤذِنُوني قال فاجتَمَعْنا أوَّلَ النَّاسِ فأتَيْناه فجاء يمشي معنا حتَّى جلَس إلينا فتكلَّم متكلِّمٌ منَّا فقال الحمدُ للهِ الَّذي ليس دونَه منصرٌ وليس وراءَه منفذٌ ونحوَ هذا فغضِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقام فتلاوَمْنا ولام بعضُنا بعضًا فقُلْنا خصَّنا اللهُ إن أتانا أوَّلَ النَّاسِ وإن فعَل وفعَل قال فأتَيْناه فوجَدْناه في مسجدِ بني فلانٍ فكلَّمْناه فأقبَل يمشي معنا حتَّى جلَس في مجلسِه الَّذي كان فيه أو قريبًا منه فقال الحمدُ للهِ ما شاء جعَل بينَ يدَيْه وما شاء جعَل خلفَه وإنَّ من البيانِ سحرًا ثُمَّ أقبَل علينا فأمَرَنا وكلَّمَنا وعلَّمنا

الدلالات الموضوعية:# آداب الكلام - إن من البيان لسحرا
المصدر: مجمع الزوائد
الراوي: معن بن يزيد أو أبو معن
المحدث: الهيثمي
الحكم:رجاله رجال الصحيح غير سهيل بن دراع وقد وثقه ابن حبان‏ ‏

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (15899)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (877)، والطبراني (19/442) (1074

الشرح والتوضيح

الشِّعرُ والخُطَبُ وغَيرُهما مِن أساليبِ البَيانِ، وهيَ أنواعٌ مِنَ الكَلامِ المُنَمَّقِ الذي يُؤَثِّرُ في النُّفوسِ، وحُكمُه حُكمُ الكَلامِ باللِّسانِ بحَسَبِ ما فيه مِنَ المَعاني؛ فقد يَكونُ شَرًّا وسوءًا، وقد يَكونُ حِكمةً وأخلاقًا.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ مَعنُ بنُ يَزيدَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لهم: اجتَمِعوا في مَساجِدِكُم، أي: طَلبَ مِن كُلِّ قَومٍ أن يَجتَمِعوا في مَسجِدِ حَيِّهم حتَّى يَمُرَّ عليهم، فإذا اجتَمَعَ كُلُّ قَومٍ فلْيُؤذِنوني، أي: فأعلِموني بأنَّكُمُ اجتَمَعتُم حتَّى آتيَكُم.

يَقولُ مَعنٌ: فاجتَمَعنا أوَّلَ النَّاسِ، أي: كُنَّا مِن أوَّلِ مَنِ اجتَمَعَ، فأتَيناه، أي: ذَهَبنا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأعلمناه، فجاءَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمشي مَعنا حتَّى جَلسَ إلينا، أي: في مَجلسِنا الذي اجتَمَعنا فيه، وهم فرِحونَ بكَونِهمُ اجتَمَعوا أوَّلَ النَّاسِ ومَجيءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم أوَّلَ النَّاسِ، فتَكَلَّم مُتَكَلِّمٌ مِنَّا، أي: قامَ خَطيبٌ مِنَّا يَتَكَلَّمُ، وقال: الحَمدُ للهِ الذي ليسَ دونَه مَقَصَرٌ، أي: إذا حُمِدَ أحَدٌ دونَ اللهِ فلا يَكونُ الحَمدُ مَقصورًا عليه، بَل يَكونُ مُتَجاوِزًا عنه إلى اللهِ؛ فإنَّ ما حُمِدَ عليه ذلك الغَيرُ فهو مِنه تعالى، فهو المُستَحِقُّ للحَمدِ عليه حَقيقةً، فكَيف يَقتَصِرُ مَعَ ذلك على الغَيرِ.

وليسَ وراءَه مَنفَذٌ، أي: إذا حُمِدَ هو تعالى يقتَصِرُ الحَمدُ عليه، لا يُتَجاوزُ عنه إلى غَيرِه؛ إذ ليسَ ما حُمِدَ عليه تعالى مِن غَيرِه حتَّى يَنصَرِفَ حَمدُه تعالى إليه، فالحاصِلُ أنَّه مَتى ما حُمِدَ غَيرُه فالحَمدُ له تعالى، ومَتى ما حُمِدَ هو لا يَنصَرِفُ الحَمدُ إلى غَيرِه.

ونَحوَ هذا، أي: مِثلَ هذا الكَلامِ، فغَضِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وإنَّما غَضِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِما فيه مِنَ التَّقدُّمِ بَينَ يَدَيه، وقد نَهى اللهُ تعالى عنه، أو لكَونِ المُتَكَلِّمِ بالغَ في كَلامِه وحَجَرَ على الحَمدِ، فلم يَجعَلْ له مَنفَذًا، فيَكونُ الحَمدُ بهذه الصِّفةِ فيه شَيءٌ مِنَ الحَجرِ لسَعةِ الدُّعاءِ وشُمولِه وسَعةِ الحَمدِ وشُمولِه، وأنَّ اللَّهَ سُبحانَه وتعالى لا نَفادَ لحَمدِه، له الحَمدُ أوَّلًا وآخِرًا ظاهرًا وباطِنًا حَمدًا لا يَنفَدُ ولا يَبيدُ، فقد يَكونُ في كَلامِه شَيءٌ مِنَ الخَطَأِ في هذا الجانِبِ، وأيضًا فيه شَيءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقيل: غَضِبَ لخَوفِ أن يُبتَلى الرَّجُلُ بالإعجابِ باختيارِ التَّكَلُّفِ في الكَلامِ وتَركِ السَّذاجةِ.

وقامَ، أي: قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وخَرَجَ مِنَ المَجلسِ.

يَقولُ مَعنٌ: فتَلاوَمنا ولام بَعضُنا بَعضًا، أي: عاتَبَ بَعضُنا بَعضًا بسَبَبِ ما حَصَل مِنَّا؛ مِمَّا سَبَّبَ غَضَبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقُلنا: خَصَّنا اللهُ أن أتانا أوَّلَ النَّاسِ، أي: قد أكرَمنا اللَّهَ بأن خَصَّنا بمَجيءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلينا أوَّلَ النَّاسِ، وأن فَعَل وفَعَل.

يَقولُ مَعنٌ: فأتَيناه، أي: ذَهَبنا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فوجَدناه في مَسجِدِ بني فلانٍ، أي: وجَدناه قد ذَهَبَ إلى مَسجِدِ قَومٍ آخَرينَ، فكَلَّمناه، أي: كَأنَّهم تَأسَّفوا واعتَذَروا مِمَّا وقَعَ مِنهم، فقَبِل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُذرَهم وأقبَل يَمشي مَعَهم حتَّى جَلسَ في مَجلسِه الذي كان فيه أو قَريبًا مِنه، أي: المَجلسِ الذي جَلسَ فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلًا أو قَريبًا مِنه.

ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الحَمدُ للهِ، ما شاءَ جَعَل بَينَ يَدَيه، أي: قُدَّامَ هذا الوقتِ الحاضِرِ، وما شاءَ جَعَل خَلفَه، أي: بَعدَ هذا الوقتِ، والمُرادُ: مَن شاءَ قدَّمَه، ومَن شاءَ أخَّرَه.

وإنَّ مِنَ البَيانِ سِحرًا.

البَيانُ جَمعُ الفصاحةِ في اللَّفظِ والبَلاغةِ باعتِبارِ المَعنى، وقيل: إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أورَدَ هذا المَثَلَ مَورِدَ الذَّمِّ لتَشبيهِه بعَمَلِ السَّاحِرِ؛ لقَلبِه القُلوبَ وتَزيينِه القَبيحَ وتَقبيحِه الحَسَنَ، وقيل: مَعناه إنَّ صانِعَه يَكسِبُ به مِنَ الإثمِ ما يَكسِبُه السَّاحِرُ بعَمَلِه، وقيل: أورَدَه مَورِدَ المَدحِ، أي: أنَّه تُمالُ به القُلوبُ ويُتَرَضَّى به السَّاخِطُ ويُستَنزَلُ به الصَّعبُ.

يَقولُ مَعنٌ: ثُمَّ أقبَل علينا، أي: التَفتَ إلينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأمَرنا وكَلَّمَنا وعَلَّمَنا، أي: وجَّهَنا ببَعضِ الأوامِرِ أن نَفعَلَها، وأرشَدَنا وعَلَّمَنا تَعاليمَ الإسلامِ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ اجتِماعِ كُلِّ قَومٍ في مَسجِدِهم.

وفيه مَشروعيَّةُ إعلامِ الإمامِ باجتِماعِ القَومِ حتَّى يَخُصَّهم ببَعضِ الوعظِ والتَّعليمِ.

وفيه الحَذَرُ مِنَ المُبالغةِ في الخُطَبِ والتَّحجيرِ لسَعةِ حَمدِ اللهِ.

وفيه مَشروعيَّةُ افتِتاحِ الخُطَبِ بحَمدِ اللهِ تعالى .

أحاديث ذات صلة