سَمِعْتُ رجلًا قال لأَبي رَجَاءٍ : أقرأُ عليكَ السلامَ ، وأَسْأَلُ اللهَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وبينَكَ في مُسْتَقَرِّ رحمتِهِ ! قال : وهل يَسْتَطِيعُ أحدٌ ذلكَ ؟ قال : فما مُسْتَقَرُّ رحمتِهِ ؟ قال : الجنةُ ، قال : لمْ تُصِبْ ، قال : فما مُسْتَقَرُّ رحمتِهِ ؟ قال : رَبُّ العالَمِينَ

الدلالات الموضوعية:# عقيدة - إثبات صفات الله تعالى# آداب السلام - من يبدأ بالسلام# توبة - سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه# آداب السلام - إفشاء السلام
المصدر: صحيح الأدب المفرد
الراوي: أبو الحارث الكرماني
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده صحيح

الشرح والتوضيح

الرَّحمةُ صِفةٌ مِن صِفاتِ اللهِ الثَّابتةِ له سُبحانَه، وقد أخبَرَ سُبحانَه أنَّ رَحمتَه وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ، وقد ذَكَر أهلُ العِلمِ أنَّ رَحمَتَه سُبحانَه على قِسمَينِ: رَحمةٌ مُتَعَلِّقةٌ بذاتِه قائِمةٌ به سُبحانَه، ورَحمةٌ خَلقٌ مِن خَلقِه، كالجَنَّةِ؛ فهيَ مِن رَحمةِ اللهِ، وإذا كان كذلك فهَل يَجوزُ إطلاقُ قَولِ: اللهُمَّ اجمَعْنا في مُستَقَرِّ رَحمَتِك؟ كَرِهَ بَعضُ السَّلفِ هذا اللَّفظَ؛ لأنَّه يوهمُ الصِّفةَ القائِمةَ بذاتِ اللهِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو الحارِثِ الكَرْمانيُّ أحَدُ الرُّواةِ أنَّه سَمِع رَجُلًا يَقولُ لأبي رَجاءٍ -وهو عِمرانُ بنُ مِلحانَ العُطارديُّ، أدرَكَ زَمَنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يَرَه-: أقرَأُ عليك السَّلامَ، أي: أُبَلِّغُك سَلامي، وأسألُ اللَّهَ أن يَجمَعَ بَيني وبَينَك في مُستَقَرِّ رَحمَتِه، أي: أدعو اللَّهَ أن يَجمَعَ بَينَنا في مَكانِ استِقرارِ الرَّحمةِ، أي: المَكانِ الذي توجَدُ فيه الرَّحمةُ، ومَقصودُه بذلك الجَنَّةُ، فهو يَدعو أن يَجمَعَ اللَّهُ بَينَهما في الجَنَّةِ التي هيَ دارُ القَرارِ، ودارُ المُقامةِ، ومَحَلُّ الاستِقرارِ.

فقال له أبو رَجاءٍ: وهَل يَستَطيعُ أحَدٌ ذلك؟ أي: استَنكَرَ عليه هذا اللَّفظَ وكَرِهَه، فهَل يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَصِلَ لمُستَقَرِّ رَحمةِ اللهِ، وفَهِمَ مِن ذلك الرَّحمةَ التي هيَ صِفةٌ قائِمةٌ باللهِ، فالصِّفةُ إنَّما تَستَقِرُّ في المَوصوفِ، وتَعَلُّقُها بغَيرِها ليسَ استِقرارًا لها بذلك الغَيرِ على الحَقيقةِ، والجَنَّةُ مُستَقَرُّ رَحمةِ اللهِ مَجازًا، أي: مُستَقَرُّ آثارِ رَحمَته، كَما قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] ، وليسَ مُرادُ الدَّاعي ذلك، بَل مُرادُه الرَّحمةُ المَخلوقةُ التي هيَ الجَنَّةُ.

وقال له: فما مُستَقَرُّ رَحمَتِه؟ أي: سَأله عن مَعنى مُستَقَرِّ رَحمةِ اللهِ.

فقال الرَّجُلُ: الجَنَّةُ، أي: أنَّ الجَنَّةَ هيَ مُستَقَرُّ رَحمةِ اللهِ، والمُرادُ بها الرَّحمةُ المَخلوقةُ.

فقال له أبو رَجاءٍ: لم تُصِبْ، أي: غَيرُ صحيحٍ؛ فليسَتِ الجَنَّةُ مُستَقَرَّ رَحمةِ اللهِ.

فقال الرَّجُلُ لأبي رَجاءٍ: فما مُستَقَرُّ رَحمَتِه؟ فقال أبو رَجاءٍ: رَبُّ العالَمينَ، أي: أنَّ الرَّحمةَ صِفةٌ مُتَعَلِّقةٌ باللهِ، ومُستَقَرُّ رَحمَتِه ذاتُه، ولا أحَدَ يَقدِرُ على ذلك.

وفي الحَديثِ بَيانُ رَأيِ أبي رَجاءٍ في عَدَمِ قَولِ: جَمَعنا اللَّهُ في مُستَقَرِّ رَحمَتهِ .

أحاديث ذات صلة