بينما أنسُ بنُ مالكٍ وأخوه البَراءُ بنُ مالكٍ عندَ حِصنٍ مِن حُصونِ العدوِّ والعدوُّ يُلقون كلاليبَ في سلاسلَ مُحْماةٍ فتعْلَقُ بالإنسانِ فيرفَعونه إليهم فعلِقَ بعضُ تلك الكلاليبِ بأنسِ بنِ مالكٍ فرفَعوه حتَّى أقَلُّوه مِنَ الأرضِ فأتى أخوه البَراءُ فقيل له أدرِكْ أخاك وهو يُقاتِلُ النَّاسَ فأقبل يسعى حتَّى نزا في الجِدارِ ثمَّ قبَض بيدِه على السِّلْسِلةِ وهي تُدارُ فما برَح يجُرُّهم ويداه تُدَخِّنان حتَّى قطَع الحَبْلَ ثمَّ نظَر إلى يدَيه فإذا عِظامُه تلوحُ قد ذهَب ما عليها مِنَ اللَّحمِ أنجى اللهُ عزَّ وجلَّ أنسَ بنَ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه بذاك
كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم مِن أشجَعِ النَّاسِ في القِتالِ، ومِن شَجاعَتِهم أنَّهم قد يَقتَحِمونَ حُصونَ العَدوِّ ولا يُبالونَ بهم، ومِن أولئِكَ الصَّحابيُّ الجَليلُ البَراءُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ إسحاقُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلحةَ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- فيَقولُ: بَينَما أنسُ بنُ مالكٍ وأخوه البَراءُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهما عِندَ حِصنٍ مِن حُصونِ العَدوِّ، أي: كانوا في مَعرَكةٍ، فلمَّا وصَلوا إلى أحَدِ حُصونِ العَدوِّ، كان العَدوُّ يُلقي مِن أعلى الحِصنِ على المُسلمينَ كَلاليبَ جَمعُ كَلُّوبٍ، وهو الحَديدةُ المُعوجَّةُ، يَخطِفُ بها، في سَلاسِلَ مُحماةٍ، أي: حارَّةٍ، فتَعلَقُ هذه الكَلاليبُ بالإنسانِ، أي: بأحَدِ المُسلمينَ، فيَرفعُه العَدوُّ إليهم، فعَلِقَ بَعضُ تلك الكَلاليبِ بأنَسِ بنِ مالِكٍ، فرَفعوه حتَّى أقَلُّوه مِنَ الأرضِ، أي: حتَّى رَفعوه مِنَ الأرضِ يُريدونَ أخذَه، فأُتِيَ أخوه البَراءُ، أي: ذَهَبَ النَّاسُ إلى البَراءِ يُخبِرونَ بخَبَرِ أنَسٍ، وقالوا له: أدرِكْ أخاك، وكان البَراءُ يُقاتِلُ النَّاسَ، فتَرَكَ القِتالَ، وأقبَل يَسعى حتَّى نَزا في الجِدارِ، أي: وثَبَ عليه، ثُمَّ قَبَضَ بيَدِه على السِّلسِلةِ وهيَ تُدارُ، أي: تَتَحَرَّكُ وتَرتَفِعُ، فما بَرِحَ يَجُرُّهم ويَداه تُدَخِّنانِ، أي: ظَلَّ يَجُرُّ سِلسِلةَ العَدوِّ حتَّى لا يَرفَعوا أنَسًا، ويَداه يَخرُجُ مِنهما الدُّخانُ بسَبَبِ كَونِه مُمسِكًا بالسِّلسِلةِ المُحماةِ فاحتَرَقَت يَداه، حتَّى قَطَع الحَبلَ، أي: حتَّى قَطَع السِّلسِلةَ التي أُخِذَ فيها أنسٌ، وأنقَذَه، ثُمَّ نَظَرَ البَراءُ إلى يَدَيه فإذا عِظامُه تَلوحُ، أي: قد بانَت وظَهَرَت قد ذَهَبَ ما عليها مِنَ اللَّحمِ! أي: احتَرَقَ جِلدُه وظَهَرَت عِظامُه، وأنجى اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه بذاكَ، أي: كان البَراءُ بفِعلِه هذا سَبَبًا في نَجاةِ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحَديثِ بَيانُ شَجاعةِ البَراءِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه .