أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قال عَامَ الرَّمادَةِ وكانَتْ سَنَةً شَدِيدَةً مُلِمَّةً ، بعدَما اجْتَهَدَ عمرُ في إِمْدَادِ الأَعْرَابِ بِالإِبِلِ والقَمْحِ والزَّيْتِ مِنَ الأَرْيافِ كلِّها مِمَّا جَهَدَها ذلكَ فقامَ عمرُ يَدْعُو فقال : اللهمَّ ! اجعلْ رِزْقَهُمْ على رُؤوسِ الجبالِ ، فَاسْتَجَابَ اللهُ لهُ ولِلْمُسْلِمِينَ ، فقال حينَ نزلَ بهِ الغَيْثُ : الحمدُ للهِ ، فواللهِ لَوْ أنَّ اللهَ لمْ يُفْرِجْها ما تَرَكْتُ بِأهلِ بَيْتٍ مِنَ المسلمينَ لهُمْ سَعَةٌ إلَّا أَدْخَلْتُ مَعَهُمْ أَعْدَادَهُمْ مِنَ الفُقَرَاءِ ، فلمْ يَكُنِ اثْنانِ يَهْلِكَانِ مِنَ الطَّعَامِ على ما يُقِيمُ االواحدُ

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - عمر بن الخطاب# أطعمة - طعام الواحد يكفي الاثنين# مغازي - عام الرمادة# أدعية وأذكار - حمد الله في كل الأحوال# آداب الدعاء - استجابة الدعاء
المصدر: صحيح الأدب المفرد
الراوي: عبدالله بن عمر
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (562) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

المُؤمِنونَ إخوةٌ، يُساعِدُ بَعضُهم بَعضًا، ويواسي بَعضُهم بَعضًا بما عِندَهم حَسَبَ استِطاعَتِهم، ومِن أنواعِ المواساةِ: المواساةُ أيَّامَ المَجاعةِ وقِلَّةِ الطَّعامِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما عمَّا كان مِن أبيه عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه عامَ الرَّمادةِ في السَّنةِ الثَّامِنةَ عَشرةَ للهجرةِ، وكانت سَنةً شَديدةً مُلِمَّةً، وهيَ النَّازِلةُ الشَّديدةُ مِن نَوازِل الدُّنيا، أي: أُصيبَ النَّاسَ فيها بجَدبٍ وقَحطٍ وجوعٍ شَديدٍ، حتَّى كانتِ الرِّيحُ تَسفي التُّرابَ كالرَّمادِ، فسُمِّيَ عامَ الرَّمادةِ، فاجتَهَدَ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه في إمدادِ الأعرابِ، وهم أصحابُ المَواشي، وكانوا أكثَرَ مَن تَضَرَّر مِن هذه المَجاعةِ، بالإبِلِ والقَمحِ والزَّيتِ، أي: أمَدَّ عُمَرُ النَّاسَ، وأعطى الأعرابَ هذه الأصنافَ مِنَ الأطعِمةِ، وظَلَّ يَتَعَهَّدُهم، مِنَ الأريافِ كُلِّها، أي: بما يُرسِلُ إليهم مِنَ الإبِلِ والقَمحِ والزَّيتِ مِنَ الأريافِ، وهيَ المَناطِقُ التي هيَ خارِجَ المُدُنِ والحَواضِرِ، التي فيها زُروعٌ، والرِّيفُ: هو كُلُّ أرضٍ فيها زَرعٌ ونَخلٌ، ويُعطي الأعرابَ بسَبَبِ القَحطِ والجوعِ الذي أصابَ النَّاسَ.

والمَعنى: أنَّه كان يَأخُذُ مِنَ المَناطِقِ الزِّراعيَّةِ ويُرسِلُ إلى المَناطِقِ التي فيها الجَفافُ أشَدُّ والحاجةُ أشَدُّ، حتَّى بَلَحَت، أي: جَفَّت وانقَطَعَت مِنَ الإعياءِ، الأريافُ كُلُّها مِمَّا جَهَدها ذلك، أي: أنَّ المَجاعةَ والجَهدَ لحِقَ أصحابَ المَناطِقِ الزِّراعيَّةِ؛ لأنَّ المَجاعةَ بَدَأت بالبَوادي والمَناطِقِ غَيرِ المَزروعةِ، ثُمَّ بَعدَ ذلك انتَقَلت إلى الأريافِ مِن كَثرةِ ما أخَذَ عُمَرُ مِنهمُ الطَّعامَ، فكان عُمَرُ أوَّلًا يُعالجُ المُشكِلةَ بالأخذِ مِنَ المَناطِقِ التي فيها وَفرةٌ وزيادةٌ فيَبعَثُ إلى المَناطِقِ المُحتاجةِ، لكِن لمَّا أصابَ الأريافَ ما أصابَها أصبَحَ الجَهدُ في المِنطَقةِ عامًّا.

فعِندَ ذلك قامَ عُمَرُ يَدعو اللَّهَ، فقال: اللَّهُمَّ اجعَلْ رِزقَهم على رؤوسِ الجِبالِ، أي: أنزِلِ الأمطارَ في رؤوسِ الجِبال، فاستَجابَ اللهُ لعُمَرَ وللمُسلمينَ، ونَزَل الغَيثُ، فقال عُمَرُ حينَ نَزَل به الغَيثُ، أي: المَطَرُ: الحَمدُ للَّه، أي: حَمِد اللَّهَ على ذلك، ثُمَّ قال: فواللهِ لو أنَّ اللَّهَ لم يُفرِّجْها ما تَرَكتُ بأهلِ بَيتٍ مِنَ المُسلمينَ لهم سَعةٌ، أي: غَناءٌ، إلَّا أدخَلتُ مَعَهم أعدادَهم مِنَ الفُقَراءِ، أي: أنَّ عُمَرَ يُخبرُ بما كان سَيَفعَلُه لو كان اللَّهُ لم يُنزِلِ المَطَرَ ويُفرِّجْ عنِ النَّاسِ ما هم فيه مِنَ الشِّدَّةِ، لكُنتُ نَظَرتُ في بُيوتِ المُسلمينَ مَن كان فيه سَعةٌ وغَناءٌ وعِندَهم مِنَ الزَّادِ ما يَكفي فقُمتُ وأدخَلتُ عليهم مِثلَ عَدَدِ أهلِ ذلك البَيتِ مِنَ الفُقَراءِ، فإذا كان عَدَدُ أهلِ البَيتِ عَشرةً يُدخِلُ مَعَهم عَشَرةَ أشخاصٍ وهَكَذا، فيَكونونَ مَعَهم في البَيتِ يَأكُلونَ معًا، فلم يَكُنِ اثنانِ يَهلِكانِ مِنَ الطَّعامِ على ما يُقيمُ الواحِدَ، أي: أنَّه لا نَجعَلُ اثنانِ يَهلِكانِ بسَبَبِ أنَّ الطَّعامَ يَأكُلُه شَخصٌ واحِدٌ، بَل يَكونونَ كُلُّهم مَعَ بَعضٍ، والطَّعامُ الذي لشَخصٍ واحِدٍ يَكفي غَيرَه، ولعَلَّ هذا عَمَلًا مِنه رَضِيَ اللهُ عنه بالحَديثِ: طَعامُ الواحِدِ يَكفي الاثنَينِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ ما أصابَ المُسلمينَ مِنَ الشِّدَّةِ والمَجاعةِ.

وفيه بَيانُ حِكمةِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه وحُسنِ تَصَرُّفِه.

وفيه استِجابةُ اللَّهِ لدُعاءِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.

وفيه حَمدُ اللهِ تَبارَكَ وتعالى على النِّعمةِ ونُزولِ الغَيثِ، وذَهابِ الجَدبِ والجَفافِ.

وفيه أنَّ على وليِّ الأمرِ أن يَتَتَبَّعَ أحوالَ النَّاسِ ويَنظُرَ مواطِنَ الحاجةِ ومواطِنَ الفَقرِ، فالمَناطِقُ الفقيرةُ والمُحتاجةُ يتعاهَدُها بتَهيِئةِ الأُمورِ والأرزاقِ.

وفيه الحَثُّ على مواساةِ الضُّعَفاءِ والمُحتاجينَ .

الأصول والأحكام

الأدب المفرد مخرجا (ص: 198) 562 - حدثنا أصبغ قال: أخبرني ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن سالما أخبره، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عام الرمادة - وكانت سنة شديدة ملمة، بعدما اجتهد عمر في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها، حتى بلحت الأرياف كلها مما جهدها ذلك - فقام عمر يدعو فقال: اللهم اجعل رزقهم على رءوس الجبال، فاستجاب الله له وللمسلمين، فقال حين نزل به الغيث: الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت بأهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدا

أحاديث ذات صلة