حضَرَ أُناسٌ بابَ [عُمَرَ] فيهم سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، وأبو سُفْيانَ بنُ حَربٍ، والشُّيوخُ مِن قُرَيشٍ، فخرَجَ آذِنُه، فجعَلَ يأذَنُ لأهْلِ بَدرٍ كصُهَيبٍ وبِلالٍ وأهْلِ بَدرٍ، قالَ: وكانَ واللهِ بَدْريًّا، وكانَ يُحِبُّهم، وكانَ قد أوْصى به، فقالَ أبو سُفْيانَ: ما رأيْتُ كاليَومِ قطُّ، أنَّه يؤذَنُ لهذه العَبيدِ ونحن جُلوسٌ لا يُلتَفَتُ إلينا! فقالَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو [ويا لَه] مِن رَجُلٍ ما كانَ أعْقَلَه! أيُّها القَومُ، إنِّي واللهِ قد أَرى الَّذي في وُجوهِكم، فإنْ كُنْتم غِضابًا، فاغْضَبوا على أنْفُسِكم؛ دُعِيَ القَومُ ودُعيتُم، فأسْرَعوا وأبْطأْتُم، أمَا واللهِ لَمَا سَبَقوكم به منَ الفَضلِ فيما تَرَوْنَ أشَدُّ عليكم فَوْتًا مِن تَأَبِّيكم على الَّذين تَنافَسونَ عليكم، قالَ: إنَّ هذا القَومَ قد سَبَقوكم بما تَرَوْنَ، ولا سَبيلَ لكم واللهِ إلى ما سَبَقوكم إليه، فانْظُروا هذا الجِهادَ فالْزَموه؛ عَسى اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ يَرزُقَكمُ الجِهادَ والشَّهادةَ، ثمَّ نفَضَ ثَوبَه، فقامَ، فلَحِقَ بالشَّامِ، قالَ الحسَنُ: فصدَقَ اللهُ، لا يَجعَلُ اللهُ عَبدًا أسرَعَ إليه كعَبدٍ أبْطأَ عنه.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - المبادرة إلى الخيرات# مناقب وفضائل - بلال بن رباح# مناقب وفضائل - فضل من شهد بدرا# مغازي - تسمية من شهد غزوة بدر# مناقب وفضائل - صهيب الرومي
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: الحسن
المحدث: الحاكم
الحكم:[سكت عنه وقال في المقدمة رواته ثقات احتج بمثله الشيخان أو أحدهما]

الشرح والتوضيح

جَعَل الإسلامُ مِعيارَ الفَضلِ والتَّقدُّمِ هو السَّبقَ في الإسلامِ والاستِجابةَ لأمرِ اللهِ ورَسولِه، فكُلُّ مَن كان أسرَعَ استِجابةً فهو الأفضَلُ، وهو الذي يَستَحِقُّ أن يُقدَّمَ على غَيرِه، وإن كان غَيرُه صاحِبَ جاهٍ ومَكانةٍ في قَومِه، وهذا ما كان يَفعَلُه الخَليفةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فكان يُقَدِّمُ مَن له سابقةٌ في الإسلامِ والجِهادِ على غَيرِهم.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ الحَسَنُ البَصريُّ أحَدُ أئِمَّةِ التَّابعينَ، فيَقولُ: حَضَرَ أُناسٌ بابَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فيهم سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، وأبو سُفيانَ بنُ حَربٍ، والشُّيوخُ مِن قُرَيشٍ، أي: جاءَ جَماعةٌ مِنَ النَّاسِ يُريدونَ الدُّخولَ على عُمَرَ، وكان فيهم بَعضُ مَن كانوا سادةً في قُرَيشٍ، كسُهَيلِ بنِ عَمرٍو، وأبو سُفيانَ بنُ حَربٍ، وغَيرُهم مِنَ الكِبارِ مِمَّن أسلَموا في فتحِ مَكَّةَ، فخَرَجَ آذِنُه، أي: خَرَجَ حاجِبُ عُمَرَ، وهو الذي يَأذَنُ للنَّاسِ بالدُّخولِ، فجَعَل يَأذَنُ لأهلِ بَدرٍ، كصُهَيبٍ وبلالٍ وأهلِ بَدرٍ، أي: جَعَل الحاجِبُ يَسمَحُ لمَن شارَكَ في غَزوةِ بَدرٍ مِنَ الضُّعَفاءِ، كَبلالٍ وصُهَيبٍ ونَحوِهما، ويُقدِّمُهم في الدُّخولِ على سادةِ قُرَيشٍ وشُيوخِهم، وكان واللَّهِ بَدريًّا، وكان يُحِبُّهم، وكان قد أوصى بهم، أي: أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه مِن أهلِ بَدرٍ ويُحِبُّ مَن شارَكوا في غَزوةِ بَدرٍ ويوصي بهم خَيرًا، فلمَّا رَأى أبو سُفيانَ هذا التَّصَرُّفَ وأنَّه يُقَدِّمُ عليهم هؤلاء القَومَ، ساءَه ذلك وقال لمَن مَعَه: ما رَأيتُ كاليَومِ قَطُّ! أي: لم أرَ يَومًا أشَدَّ علَيَّ مِن مِثلِ هذا اليَومِ، أنَّه يُؤذَنُ لهذه العَبيدِ ونَحنُ جُلوسٌ لا يَلتَفِتُ إلينا، أي: حَيثُ يُقدِّمُ هؤلاء الذينَ كانوا عَبيدًا عِندَنا، ولم تَكُنْ لهم مَكانةٌ، ونَحنُ سادَتُهم نُؤَخَّرُ ولا يُؤذَنُ لنا! يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ عن سُهَيلِ بنِ عَمرٍو: ويا له مِن رَجُلٍ! ما كان أعقَلَه! أي: أنَّ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو كان رَجُلًا عاقِلًا فطِنًا فَهِم المَقصودَ وسَبَبَ تَقديمِ هؤلاء الضُّعَفاءِ عليهم.

فقال سُهَيلٌ: أيُّها القَومُ، إنِّي واللهِ قد أرى الذي في وُجوهِكُم، أي: رَأيتُ ما في وُجوهِكُم مِنَ الغَضَبِ والكَراهيةِ؛ لكَونِ هؤلاء قُدِّموا عليكُم، لكِن إن كُنتُم غِضابًا فاغضَبوا على أنفُسِكُم، أي: إن كان هناكَ سَبَبٌ يَستَحِقُّ أن يُغضَبَ مِنه فليسَ هو تَقديمَ هؤلاء، وإنَّما اغضَبوا على أنفُسِكُم فهيَ التي تَستَحِقُّ اللَّومَ والعِتابَ، دُعيَ القَومُ ودُعيتُم، فأسرَعوا وأبطَأتُم، أي: أنَّ هؤلاء القَومَ الذينَ غَضِبتُم مِنهم قد دُعوا إلى الإسلامِ كَما دُعيتُم أنتُم إلى الإسلامِ، فاستَجابوا وأسلموا، وأنتُم لم تَستَجيبوا، وتباطأتُم وتَأخَّرتُم عنِ الإسلامِ؛ فكان لهم شَرَفُ السَّبقِ عليكُم، أمَا واللَّهِ لَمَا سَبَقوكُم به مِنَ الفضلِ فيما ترَونَ أشَدُّ عليكُم فوتًا مِن بابِكم هذا الذي تُنافِسونَ فيه، أي: أنَّ سَبقَهم إلى الإسلامِ أشَدُّ وأعظَمُ على النَّفسِ مِن سَبقِهم إلى الدُّخولِ الذي تُريدونَ أنتُم أن تُنافِسوهم وتَدخُلوا قَبلَهم.

والمَعنى: أنَّه قد فاتَكُم ما هو خَيرٌ مِن هذا الذي تَحرِصونَ عليه مِنَ الدُّخولِ، وهو سَبقُهم في الإسلامِ الذي هو أَولى أن يَحزَنَ الإنسانُ ويَغضَبَ على نَفسِه؛ لكَونِه فاتَه هذا الفَضلُ.

ثُمَّ قال: إنَّ هؤلاء القَومَ قد سَبَقوكُم بما تَرَونَ، أي: سَبَقوكُم إلى الإسلامِ، ولا سَبيلَ لكُم واللَّهِ إلى ما سَبَقوكُم إليه، أي: فليسَ هناكَ طَريقٌ آخَرُ تَسبقوهم فيه، فانظُروا هذا الجِهادَ فالزَموه، أي: فإن كُنتُم تُريدونَ المُنافسةَ والسَّبقَ عليهم فعليكُم بالجِهادِ في السَّبيلِ، فاحرِصوا عليه وواظِبوا عليه؛ عَسى اللهُ عَزَّ وجَلَّ أن يَرزُقَكُمُ الجِهادَ والشَّهادةَ، أي: فلعَلَّ اللَّهَ يَرزُقُكُمُ المَوتَ في سَبيلِه، فتَكونَ لكُمُ المَكانةُ العاليةُ الرَّفيعةُ التي رُبَّما قد تَسبقونَ بها هؤلاء، ثُمَّ نَفَضَ ثَوبَه، أي: أزال ما عليه مِنَ الغُبارِ وقامَ ولحِقَ بالشَّامِ، أي: ذَهَبَ للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ في جِهةِ بلادِ الشَّامِ مَعَ المُقاتِلينَ هناكَ، وقاتَلَ حتَّى قُتِل كَما في الرِّوايةِ الأُخرى.

يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ: فصَدَقَ واللَّهِ، أي: صَدَقَ سُهَيلٌ في كَلامِه، لا يَجعَلُ اللهُ عَبدًا أسرَعَ إليه كعَبدٍ أبطَأ عنه، أي: لم يَكُنِ اللَّهُ ليَجعَلَ مَن أسرَعَ إليه وبادَرَ واستَجابَ للإسلامِ كشَخصٍ تَأخَّرَ وأبطَأ في الإسلامِ، فلا يستوون عِندَ اللهِ.

وفي الحَديثِ فضيلةُ أصحابِ بَدرٍ.

وفيه بَيانُ ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِن تَقديمِ أهلِ بَدرٍ على غَيرِهم.

وفيه إنزالُ النَّاسِ مَنازِلَهم بالأسبَقيَّةِ في الإسلامِ والخَيرِ، وليسَ بالشَّرَفِ والنَّسَبِ.

وفيه بَيانُ أنَّ مَن بَطَّأ به عَمَلُه لم يُسرِعْ به نَسَبُه.

وفيه بَيانُ ما كان عليه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو مِنَ الفِطنةِ ورَجاحةِ العَقلِ.

وفيه فَضلُ ومَكانةُ الجِهادِ عِندَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم .

أحاديث ذات صلة