كُنَّا في سفَرٍ ومعنا ابنُ عُمرَ، فسَألْتُه، فقال: رأيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يُسَبِّحُ في السَّفرِ قبْلَ الصَّلاةِ ولا بعْدَها.
قال: وسألْتُ ابنَ عُمرَ عن بيْعِ الثِّمارِ، فقال: نَهَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بيْعِ الثِّمارِ حتى تَذهَبُ العاهةَ، قلْتُ: أبا عبدِ الرَّحمنِ، وما تَذهَبُ العاهةُ، ما العاهةُ؟ قال: طُلوعُ الثُّرَيَّا.
أخرجه أحمد (5012) واللفظ له، وابن خزيمة (1255)، وابن حبان (2753) بنحوه مختصراً
كان التَّابعونَ يَحرِصونَ على طَلَبِ العِلمِ مِنَ الصَّحابةِ في كُلِّ وقتٍ وحينٍ، ويَستَغِلُّونَ أوقاتَ السَّفرِ مَعَهم، فيَسألونَهم عن بَعضِ المَسائِلِ والأحكامِ التي تَتَعَلَّقُ بالسَّفرِ، وغَيرِ ذلك مِنَ الأحكامِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عُثمانُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ سُراقةَ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّهم كانوا مُسافِرينَ ومَعَهم عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما.
يَقولُ عُثمانُ بنُ عَبدِ اللَّهِ: فسَألتُه، أي: سَأل ابنَ عُمَرَ.
وفي رِوايةٍ أُخرى تُبَيِّنُ سَبَبَ سُؤالِه، وهو أنَّ عُثمانَ بنَ عَبدِ اللَّهِ كان يُسَبِّحُ في السَّفرِ، أي: يُصَلِّي النَّوافِلَ المُتَعَلِّقةَ بالفرائِضِ، فقال له بَعضُهم: إنَّ ابنَ عُمَرَ يَنهى عن ذلك، فذَهَبَ عُثمانُ بنُ عَبدِ اللَّهِ إلى ابنِ عُمَرَ فسَأله عن ذلك، فقال ابنُ عُمَرَ: رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُسَبِّحُ، أي: لا يُصَلِّي النَّوافِلَ في السَّفرِ قَبلَ الصَّلاةِ ولا بَعدَها، أي: سَواءٌ كانتِ النَّوافِلُ التي قَبلَ الصَّلاةِ أوِ التي بَعدَها، وإنَّما كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتَفي بصَلاةِ الفريضةِ.
يَقولُ عُثمانُ بنُ عَبدِ اللَّهِ: سَألتُ ابنَ عُمَرَ عن بَيعِ الثِّمارِ، أي: عن حُكمِ بَيعِ الثِّمارِ هَل يَجوزُ أم لا؟ فقال ابنُ عُمَرَ: نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن بَيعِ الثِّمارِ حتَّى تَذهَبَ العاهةُ، أي: لا يَجوزُ ولا يَصِحُّ بَيعُها حتَّى تَزولَ العاهةُ، أي: الآفةُ التي تُصيبُ الثَّمَرةَ فتُفسِدُها.
فقال عُثمانُ: يا أبا عَبدِ الرَّحمَنِ، وهيَ كُنيةُ ابنِ عُمَرَ، وما تَذهَبُ العاهةُ، ما العاهةُ؟ أي: ما المَقصودُ بقَولِك: تَذهَبُ العاهةُ، أوِ المَعنى: ما عَلامةُ ذَهابِ العاهةِ؟ فقال ابنُ عُمَرَ: طُلوعُ الثُّرَيَّا، أي: نَجمُ الثُّرَيَّا.
يُريدُ به وقتَ ذَهابِ العاهةِ عنِ الثِّمارِ عِندَهم، فهو تَعريفٌ بالوقتِ، لا تَفسيرٌ للَّفظِ، فالنَّجمُ: هو الثُّرَيَّا، وطُلوعُها صَباحًا يَقَعُ في أوَّلِ فَصلِ الصَّيفِ، وذلك عِندَ اشتِدادِ الحَرِّ في بلادِ الحِجازِ وابتِداءِ نُضجِ الثِّمارِ، فالمُعتَبرُ في الحَقيقةِ النُّضجُ وبُدوُّ الصَّلاحِ، وطُلوعُ النَّجمِ عَلامةٌ له.
وفي الحَديثِ أنَّ المُسافِرَ يُرَخَّصُ له في تَركِ النَّوافِلِ التي قَبلَ الصَّلاةِ وبَعدَها.
وفيه النَّهيُ عن بَيعِ الثِّمارِ حتَّى تَذهَبَ عاهَتُها.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ أهلِ العِلمِ في السَّفَرِ .