- عن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أُوتِيتُ وأنا باليمنِ بامرأةٍ حُبلى، فسألتُها، فقالتْ: ما تسألُ عَنِ امرأةٍ حُبلى ثَيِّبٍ مِن غيرِ بَعْلٍ؟! أَمَا واللهِ ما خاللتُ خليلًا، ولا خادَنْتُ خِدْنًا مُذْ أسلمتُ، ولكنِّي بينَما أنا نائمةٌ بفِناءِ بيتي، فواللهِ ما أيقظني إلَّا الرجُلُ حينَ ركِبَني، وألقى في بطني مِثلَ الشهابِ، فقال: فكتبتُ فيها إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فكتب إليَّ أنْ وافِني بها وبناسٍ من قومِها؛ فوافَيْتُه بها في المَوْسِمِ ، فسأل عنها قومَها، فأثنَوْا خيرًا، وسألها فأخبرتْه كما أخبرَتْني، فقال عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: شابَّةٌ تِهاميَّةٌ تنوَّمَتْ، قد كان ذلك يُفعَلُ؛ فمَارَها عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه وكَسَاها، وأوصى بها قومَها خيرًا.

الدلالات الموضوعية:# أقضية وأحكام - رفع الخطأ والنسيان والإكراه عن المسلمين# حدود - درء الحدود# حدود - المستكره
المصدر: المحلى
الراوي: كليب الجهني
المحدث: ابن حزم
الحكم:في غاية الصحة

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي شيبة (29092)، وصدقة الضبي في ((أخبار القضاة)) (1/ 101) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

اشتَمَلتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على كُلِّ ما يَحتاجُه المُسلمُ في أمرِ دينِه ودُنياه، فهذه الشَّريعةُ فيها أحكامُ العَقائِدِ، وأحكامُ العِباداتِ، وأحكامُ المُعامَلاتِ، والجِناياتِ والعُقوباتِ، ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالعُقوباتِ: أنَّ الحُدودَ تُدرَأُ وتُدفَعُ بالشُّبُهاتِ، ولا يُقامُ الحَدُّ بمُجَرَّدِ الشُّبهةِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو موسى الأشعَريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد كان واليًا على اليَمَنِ، فيَقولُ: أوتيتُ وأنا باليَمَنِ بامرَأةٍ حُبلى، أي: أتَوا إليه بامرَأةٍ قد حَمَلت وليسَ لها زَوجٌ؛ حتَّى يُقيمَ عليها الحَدَّ.

فسَألها أبو موسى عن هذا الحَملِ كَيف حَصَل، فقالت له المَرأةُ: ما تَسألُ عنِ امرَأةٍ حُبلى ثَيِّبٍ مِن غَيرِ بَعلٍ؟! أي: كَيف تَسألُني عن هذا الحَملِ، وأنتَ تَرى أنِّي امرَأةٌ ثَيِّبٌ وليسَ لي زَوجٌ، فكَأنَّها تَقولُ: إنَّ هذا أمرٌ واضِحٌ، وإنَّه من زِنًا، ولا يَحتاجُ للسُّؤالِ عنه، والمَعنى: أنَّها لو قالت بحَقيقةِ الأمرِ لن يُصَدِّقَها أحَدٌ.

ثُمَّ إنَّها قالت: أمَا واللَّهِ ما خالَلتُ خَليلًا، أي: ما صاحَبتُ رَجُلًا، ولا خادَنتُ خَدَنًا، أي: ولا اتَّخَذتُ صَديقًا، مُذ أسلمَتُ، ولكِنِّي بَينَما أنا نائِمةٌ بفِناءِ بَيتي.

والفِناءُ: هو المَكانُ المُتَّسِعُ أمامَ الدَّارِ، أي: عِندَما كُنتُ نائِمةً في هذا الفناءِ، فواللهِ ما أيقَظَني مِن نَومي إلَّا الرَّجُلُ حينَ رَكِبَني، أي: جامَعَها، وألقى في بَطني مِثلَ الشِّهابِ، أي: قَذَف في بَطنِها المَنيَّ كَأنَّه مِثلُ رَميٍ الشِّهابِ، فعِندَ ذلك شَعَرتُ به، ثُمَّ قامَ عنها الرَّجُلُ وانصَرَف، وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّها قالت: ثُمَّ نَظَرتُ إليه، أي: الرَّجُلِ، مُقَفًّى، ما أدري مَن هو مِن خَلقِ اللهِ! والمَعنى: أنَّها لم تَشعُرْ بالرَّجُلِ عِندَما جامَعَها مِن شِدَّةِ نَومِها.

فعِندَ ذلك تَوقَّف أبو موسى في أمرِ هذه المَرأةِ، وكَتَب فيها إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَطلُبُ مِنه ماذا يَفعَلُ في هذه المَرأةِ، فكَتَب عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إلى أبي موسى أن وافِني بها وبناسٍ مِن قَومِها، أي: اجعَلْ هذه المَرأةَ وجَماعةً مِن قَومِها يَقدَمونَ عَلَيَّ، يَقولُ أبو موسى: فوافيتُه بها في المَوسِمِ، أي: أتى أبو موسى بهذه المَرأةِ في المَوسِمِ، أي: مَوسِمِ الحَجِّ، فسَأل عُمَرُ عنِ المَرأةِ قَومَها، أي: سَألهم عنها، وهَل هيَ مُستَقيمةٌ أم غَيرُ ذلك، فأثنَوا خَيرًا، أي: أثنى قَومُها عليها بالخَيرِ، وأنَّهم لم يَعرِفوا عنها الفسادَ، ثُمَّ سَأل عُمَرُ المَرأةَ عَمَّا حَصَل مِنها فأخبَرَته كَما أخبَرَت أبا موسى، فقال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: شابَّةٌ تِهاميَّةٌ.

نِسبةً إلى تِهامةِ اليَمَنِ، تَنَوَّمَت، أي: تَغفَّلَها رَجُلٌ وهيَ نائِمةٌ ولم تَشعُرْ بذلك، فقد كان ذلك يُفعَلُ، أي: قد كان يَحصُلُ ويَقَعُ مِثلُ هذا الفِعلِ الذي ذَكَرَته هذه المَرأةُ، فلا نُقيمُ عليها الحَدَّ؛ لكَونِها غَيرَ مُختارةٍ، ولعَدَمِ شُعورِها بذلك، وقَبِل عُمَرُ إقرارَها بذلك وصَدَّقها، فمارَها عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه، أي: زَوَّدَها وأعطاها المِيرةَ، وهيَ الطَّعامُ، وكَساها، أي: أعطاها ثيابًا، وأوصى بها قَومَها خَيرًا، أي: أن يُحسِنوا إليها ويُكرِموها.

وفي الحَديثِ أنَّ الأميرَ قد تَخفى عليه بَعضُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ رَفعِ الأميرِ القَضايا التي لا يَعرِفُ حُكمَها إلى الإمامِ الأكبَرِ.

وفيه دَرءُ الحُدودِ بالشُّبُهاتِ.

وفيه سُقوطُ الحَدِّ إذا أبدى المُتَّهَمُ العُذرَ واقتَنَعَ الإمامُ.

وفيه مَشروعيَّةُ عَمَلِ الإمامِ أوِ القاضي بإقرارِ مَن عليه الحُكمُ .

الأصول والأحكام

المحلى لابن حزم ت أحمد شاكر (8/ 251) ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الله بن ادريس الاودى نا عاصم بن كليب عن أبيه عن أبى موسى الاشعري قال: أتيت وأبا باليمن بامرأة فسألتها؟ فقالت: ما تسأل عن امرأة حبلى ثيب من غير بعل أما والله ما خاللت خليلا ولا خادنت خدنا مذ أسلمت ولكني بينما أنا نائمة بفناء بيتى فو الله ما ايقظنى الا الرجل حين ركبني وألقى في بطني مثل الشهاب فقال فكتبت فيها إلى عمر [[ بن الخطاب ]] فكتب إلى أن وافنى بها وبناس من قومها فوافيته بها في الموسم فسأل عنها قومها؟ فأثنوا خيرا وسألها فأخبرته كما أخبرتني فقال عمر: شابة تهامية تنومت قد كان ذلك يفعل فمارها عمر وكساها وأوصى بها قومها خيرا، هذا خبر في غاية الصحة

مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة ط القبلة (14/ 454) 29092- حدثنا ابن إدريس ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، قال : قال أبو موسى : أتيت وأنا باليمن بامرأة حبلى ، فسألتها ؟ فقالت : ما تسأل عن امرأة حبلى ثيب من غير بعل ؟ أما والله ما خاللت خليلا ، ولا خادنت خدنا منذ أسلمت ، ولكن بينا أنا نائمة بفناء بيتي ، والله ما أيقظني إلا رجل رقصني وألقى في بطني مثل الشهاب ، ثم نظرت إليه مقفيا ما أدري من هو من خلق الله ، فكتبت فيها إلى عمر ، فكتب عمر : وافني بها ، وبناس من قومها ، قال : فوافيناه بالموسم ، فقال شبه الغضبان : لعلك قد سبقتني بشيء من أمر المرأة ؟ قال : قلت : لا ، هي معي وناس من قومها ، فسألها ، فأخبرته كما أخبرتني ، ثم سأل قومها فأثنوا خيرا ، قال : فقال عمر : شابة تهامية نومة ، قد كان يفعل ، فمارها ، وكساها ، وأوصى قومها بها خيرا.

أخبار القضاة (1/ 101) حدثنا إسماعيل بن إسحاق؛ قال: حدثنا علي بن عبد الله؛ قال: حدثنا أبو إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي موسى ؛ قال؛ أتيت باليمن وأنا على اليمن بامرأة فسألتها؛ فقالت: ما تسأل عن امرأة ثيب حبلى من غير بعل، والله ما خاللت خليلا، ولا خادنت حدثا منذ أسلمت، ولكني بينما أنا نائمة بفناء بيتي، فوالله ما أيقظني إلا الرجل حين رفصني، وألقى في بطني مثل الشهاب، ثم نظرت إليه مقنعا، ما أدرى أي خلق الله هو؛ قال: فكتبت إلى عمر فيها: فكتب إلي: أن واف بها وناس من قومها المواسم، فوافيت بها وبقومها؛ فقال لي: كالغضبان: ما فعلت المرأة ? لعلك سبقتني بشيء من أمرها؛ فقلت: ما كنت لأفعل؛ قال: فسألها فأخبرته بمثل الذي حدثتني، وأثنى عليها قومها؛ فقال عمر: شأن بها منه تنومت وفما كان ذاك يفعل فمارها وكساها، وأرضى قومها بها.

هذا الحديث يدل على أن أبا موسى بقي إلى أيام عمر على القضاء.

أحاديث ذات صلة