دَخَلَ ثلاثةُ نَفَرٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَسجِدَ، والنَّاسُ في صَلاةِ العَصْرِ، فصَلَّوْا مع النَّاسِ، فلمَّا فَرَغوا قال بعضُهم لبعضٍ: كيف صَنَعتُم؟ فقال أحَدُهم: جَعَلتُها الظُّهْرَ ثم صَلَّيتُ العَصْرَ، وقال آخَرُ: جَعَلتُها العَصْرَ ثم صَلَّيتُ الظُّهْرَ، وقال آخَرُ: جَعَلتُها للمَسجِدِ -يعني: تحيَّةً- ثم صَلَّيتُ الظُّهْرَ والعَصْرَ، فلم يَعِبْ بعضُهم على بعضٍ.
أخرجه البيهقي (5178)، وفي ((الخلافيات)) (2610) واللفظ له.
اختِلافُ العُلماءِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ أمرٌ قديمٌ مُنذُ أيَّامِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، فكان كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَعمَلُ بحَسَبِ ما يُؤَدِّي إليه اجتِهادُه في المَسألةِ الشَّرعيَّةِ، واستَمَرَّ وُجودُ الخِلافِ والاجتِهادِ في المَسائِلِ في كُلِّ العُصورِ، ولكِنَّهم كانوا يُراعونَ أدَبَ الخِلافِ؛ فلم يُؤَدِّ بهم ذلك إلى حَلِّ رِباطِ الأُخوَّةِ، والتَّراشُقِ فيما بَينَهم، وطَعنِ بَعضِهم في بَعضٍ.
وفي هذا الحَديثِ نَموذَجٌ مِن نَماذِجِ أدَبِ الصَّحابةِ في الخِلافِ.
فيَقولُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عائِذٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ-: دَخَل ثَلاثةُ نَفرٍ.
والنَّفرُ: الجَماعةُ مِنَ الرِّجالِ ما بَينَ الثَّلاثةِ إلى العَشرةِ، مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: كُلُّهم قد صَحِبَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
المَسجِدَ، والنَّاسُ في صَلاةِ العَصرِ، أي: وجَدوا النَّاسَ يُصَلُّونَ صَلاةَ العَصرِ، فصَلَّوا مَعَ النَّاسِ.
والظَّاهرُ أنَّهم لم يَكونوا قد صَلَّوا الظُّهرَ، فلمَّا فرَغوا، أي: لمَّا انتَهى هؤلاء الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم مِنَ الصَّلاةِ قال بَعضُهم لبَعضٍ: كَيف صَنَعتُم؟ أي: كَيف جَعَلتُم صَلاتَكُم مَعَ النَّاسِ وأنتُم لم تُصَلُّوا الظُّهرَ؟ فقال الصَّحابيُّ الأوَّلُ: جَعَلتُها الظُّهرَ ثُمَّ صَلَّيتُ العَصرَ، أي: نَويتُ بصَلاتي مَعَهمُ الظُّهرَ، ثُمَّ صَلَّيتُ العَصرَ بَعدَ ذلك، وقال الصَّحابيُّ الثَّاني: جَعَلتُها العَصرَ، ثُمَّ صَلَّيتُ الظُّهرَ، أي: دَخَلت مَعَهمُ الصَّلاةَ بنيَّةِ صَلاةِ العَصرِ مِثلَهم، ثُمَّ بَعدَ ذلك صَلَّيتُ الظُّهرَ، وقال الصَّحابيُّ الثَّالثُ: جَعَلتُها للمَسجِدِ يَعني: تَحيَّةً، أي: نَوى صَلاته مَعَ النَّاسِ كَأنَّها صَلاةُ تَحيَّةٍ المَسجِدِ، ولم يَنوِ فيها الظُّهرَ أوِ العَصرَ، ثُمَّ صَلَّيتُ الظُّهرَ والعَصرَ، أي: ثُمَّ بَعدَ ذلك صَلَّيتُ الظُّهرَ ثُمَّ صَلَّيتُ بَعدَها صَلاةَ العَصرِ، فلم يَعِبْ بَعضُهم على بَعضٍ، أي: لم يُنكِرْ أحَدٌ مِنهم على صاحِبِه في اجتِهادِه في صَلاتِه، وقد صَلَّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم بنيَّةٍ مُختَلفةٍ للصَّلاةِ الحاليَّةِ والصَّلاةِ الفائِتةِ، حَسَبَ ما أدَّى إليه اجتِهادُه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ اختِلافِ نيَّةِ المَأمومِ عن نيَّةِ الإمامِ.
وفيه مَشروعيَّةُ اقتِداءِ مَن يُصَلِّي فائِتةً خَلفَ مَن يُصَلِّي حاضِرةً.
وفيه مَشروعيَّةُ تَقديمِ الصَّلاةِ الفائِتةِ على الصَّلاةِ الحاضِرةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ أن يَقتَديَ مُتَنَفِّلٌ خَلفَ مَن يُصَلِّي فرضًا.
وفيه مَشروعيَّةُ أن يَقتَديَ مَن يُصَلِّي فَرضًا خَلفَ مَن يُصَلِّي فرضًا آخَرَ.
وفيه بَيانُ وُقوعِ الخِلافِ بَينَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه حُسنُ أدَبِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم في خِلافِ بَعضِهم مَعَ بَعضٍ، وعَدَمِ إنكارِهم في المَسائِلِ المُختَلَفِ فيها، إذا كانتِ المَسائِلُ مِمَّا يَسَعُهمُ الاختِلافُ فيها .