حجَجنا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فسُئِلَ عمَّن حَلقَ قبلَ أن يَذبحَ أو يذبَحْ قبلَ أن يحلِقَ فقالَ: لا حرجَ لا حرجَ فلمَّا أَكْثَروا عليهِ قالَ: أيُّها النَّاسُ، قد رُفِعَ الحرجُ إلَّا منِ اقترضَ مِن أخيهِ شيئًا ظُلمًا، فذلِكَ الحرَجُ
الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ شَرَعَها اللهُ لحِكَمٍ عَظيمةٍ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بيانًا كاملًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومِن ذلك أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا كان يَومُ النَّحرِ بَدَأ برَميِ الجِمارِ، ثُمَّ نَحَرَ هَديَه، ثُمَّ حَلقَ رَأسَه، ثُمَّ طاف طَوافَ الإفاضةِ، فهذه أعمالُ يَومِ النَّحرِ بالتَّرتيبِ، ولا حَرَجَ على مَن قدَّمَ بَعضَها على بَعضٍ؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبرُ أُسامةُ بنُ شَريكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّهم حَجُّوا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوداعِ، فسُئِل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّن حَلَقَ قَبل أن يَذبَحَ، أي: قدَّمَ فحَلقَ شَعرَ رَأسِه قَبلَ ذَبحِ هَديِه، أو يَذبَحُ قَبلَ أن يَحلِقَ، أي: مَن ذَبَح ثُمَّ حَلَقَ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا حَرَجَ لا حَرَجَ، أي: كِلا الأمرَينِ جائِزٌ، ولا إثمَ في ذلك سَواءٌ حَلق ثُمَّ ذَبَحَ، أو ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ.
فلمَّا أكثَروا عليه، أي: أكثَرَ النَّاسُ في السُّؤالِ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مِثلِ هذه المَسائِلِ مِن تَقديمِ بَعضِ النُّسُكِ على بَعضٍ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّها النَّاسُ، قد رُفِعَ الحَرَجُ، أي: رَفعَ اللَّهُ الإثمَ والمُؤاخَذةَ في ارتِكابِ ما ذَكَرتُم مِن مِثلِ هذه المَسائِلِ، وكَأنَّهم ما سَألوا إلَّا عنِ المُباحاتِ، إلَّا مَنِ اقتَرَضَ مِن أخيه شَيئًا، أي: إلَّا مَنِ اغتابَ أخاه، أو سَبَّه، أو آذاه في نَفسِه، عَبَّرَ عنها بالاقتِراضِ؛ لأنَّه يُستَرَدُّ مِنه في العُقبى، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ اقتَرَض بمَعنى قَطعَ، أي: نال مِنه واقتَطَعَ مِنه بالغِيبةِ، ظُلمًا، أي: نال عنه وتَكَلَّمَ عليه بظُلمٍ، فيَخرُجُ ما إذا تَكَلَّمَ عليه بحَقٍّ فإنَّه يُباحُ، فذلك الحَرجُ، أي: هذا هو الذي يَأثَمُ عليه صاحِبُه ويُؤاخَذُ عليه ويُعاقَبُ عليه في الآخِرةِ إن لم يَستَعْفِه في الدُّنيا ولم يَستَحِلَّه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَقديمِ بَعضِ أعمالِ الحَجِّ على بَعضٍ.
وفيه خُطورةُ الطَّعنِ في عِرضِ المُسلمِ أو عَيبِه أو سَبِّه ظُلمًا .