حجَجْتُ في الجاهِلِيَّةِ فإذا رجلٌ يطوفُ بالبيتِ وهو يرتَجِزُ يقولُ ربِّ رُدَّ راكبِي محمدًا رُدَّهُ لي واصطنِعْ عندِي يدًا قلْتُ مَنْ هذا تَعْنِي قال عبدُ المطلبِ بنُ هاشمٍ ذهبَتْ إبلٌ له فأرسَلَ ابنَ ابنِهِ في طلَبَتِها فاحتُبِسَ علَيْهِ ولَمْ يُرْسِلْهُ في حاجَةٍ قطُّ إلَّا جاءَ بِها قال فما بَرِحْتُ حتى جاءَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجاءَ بالإبِلِ فقالَ يا بُنَيَّ لقَدْ حَزِنْتُ علَيْكَ كالْمَرْأَةِ حُزْنًا لَا يُفَارِقُنِي أَبَدًا
عاشَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتيمًا؛ فقد تُوفِّي والِدُه، وأُمُّه ما زالت حامِلًا به، فلمَّا وُلدَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصبَحَ عُمُرُه سِتَّ سِنينَ ماتَت أُمُّه فكَفَله جَدُّه عَبدُ المُطَّلِبِ، وكان يُحِبُّه حُبًّا شَديدًا، بَل إنَّه كان يَرِقُّ عليه رِقَّةً لم يَرِقَّها على أحَدٍ مِن أولادِه، ويَخافُ عليه خَوفًا شَديدًا.
وكان يُؤثِرُه على أولادِه ويُجلِسُه مَعَه على فِراشِه دونَ سائِرِ أعمامِه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ سَعيدُ بنُ حَيدةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه حَجَّ في الجاهليَّةِ، أي: أيَّامَ الجاهليَّةِ قَبلَ الإسلامِ، فرَأى رَجُلًا يَطوفُ بالبَيتِ، أي: بالكَعبةِ، وهو يَرتَجِزُ، والرَّجَزُ بَحرٌ مِن بُحورِ الشِّعرِ مَعروفٌ.
يَقولُ: رَبِّ رُدَّ راكِبي مُحَمَّدَا رُدَّه لي واصطَنِعْ عِندي يَدَا، أي: يا رَبِّ، أسألُك أن تَرُدَّ لي ابني مُحَمَّدًا، واجعَلْ يا رَبِّ ذلك مِن مَعروفِك وإحسانِك لي أن تَرُدَّ لي مُحَمَّدًا.
فسَأل سَعيدٌ مَن حَولَه: مَن هذا الرَّجُلُ الذي يَرتَجِزُ؟ فقالوا له: هذا عَبدُ المُطَّلِبِ بنُ هاشِمٍ، أي: جَدُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ذَهَبَت إبِلٌ له، أي: فُقِدَت وضَلَّت، فأرسَل ابنَ ابنِه في طَلِبَتِها، أي: بَعَثَ حَفيدَه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحَمَّدَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ حتَّى يَبحَثَ عنِ الإبِلِ، فاحتَبَسَ عليه، أي: فتَأخَّرَ وأبطَأ حَفيدُه كَثيرًا، فخاف عليه، ولم يُرسِلْه في حاجةٍ قَطُّ إلَّا جاءَ بها، أي: كان عَبدُ المُطَّلِبِ لا يُرسِلُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شَيءٍ إلَّا جاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك الشَّيءِ، كما أمَرَه جَدُّه عَبدُ المُطَّلِبِ.
يَقولُ سَعيدٌ: فما بَرِحتُ حتَّى جاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لم أتَحَرَّكْ مِن مَكاني ذلك وظَلَلتُ أنتَظِرُ حتَّى جاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجاءَ بالإبِلِ، أي: جاءَ ومَعَه الإبِلُ يَسوقُها قد وجَدَها.
فقال له جَدُّه عَبدُ المُطَّلِبِ: يا بُنَيَّ، لقد حَزِنتُ عليك كالمَرأةِ حُزنًا، أي: أُصِبتُ بحُزنٍ شَديدٍ خَوفًا أن يَكونَ حَصَل لك شَيءٌ، مِثلَ حُزنِ المَرأةِ عِندَما تَفقِدُ ولدَها.
وفي رِوايةٍ: لقد حَزِنتُ عليك هذه المَرَّةَ، أي: لم أحزَنْ كحُزني عليك عِندَما أرسَلتُك الآنَ.
ثُمَّ قال عَبدُ المُطَّلِبِ: لا يُفارِقُني أبَدًا، أي: بَعدَ هذا اليَومِ لن يُفارِقَني مُحَمَّدٌ أبَدًا، بَل يَظَلُّ مَعي، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: واللهِ لا أبعَثُك في حاجةٍ أبَدًا، ولا تُفارِقُني بَعدَ هذا أبَدًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما جَعَل اللَّهُ تعالى مِن حُبِّ عَبدِ المُطَّلِبِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَفقَتِه عليه.
وفيه بَيانُ ما جَعَل اللَّهُ تعالى لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ البَرَكةِ في صِغَرِه .