بينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ في المسجِدِ، ورجُلٌ يُصلِّي، فلمَّا انصَرفَ، أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أعِدْ صلاتَكَ، فإنَّكَ لم تُصَلِّ، فرجَعَ فصلَّى كنحوٍ ممَّا صلَّى، فلمَّا انصَرفَ، أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أعِدْ صلاتَكَ، فإنَّكَ لم تُصَلِّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، فعلِّمْني.
قال: إذا أُقيمَتِ الصلاةُ فكبِّرْ، ثمَّ اقرَأْ بفاتحةِ الكتابِ وما تيسَّرَ، ثمَّ اركَعْ، فإذا ركَعتَ، فاجعَلْ راحتَيْكَ على رُكبَتَيْكَ، فامْدُدْ ظهرَكَ، ومكِّنْ لرُكوعِكَ، وإذا رفَعتَ رأسَكَ، فقُمْ حتى ترجِعَ العِظامُ إلى مَفاصِلِها، ثمَّ اسجُدْ، فإذا سجَدْتَ، فمكِّنْ لسُجودِكَ، فإذا رفَعتَ، فاجلِسْ على فَخِذِكَ اليُسْرى، ثمَّ اصنَعْ ذلك في كلِّ ركعةٍ وسَجْدةٍ.
أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (554) واللفظ له، وأحمد (18995)، وابن حبان (1787)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (5/40) (4530)، والشافعي في ((مسنده)) (ص34) جميعا باختلاف يسير.
الصَّلاةُ فريضةٌ عَظيمةٌ ورُكنٌ مِن أركانِ الدِّينِ، بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفتَها وأحكامَها، وعَلَّمها للصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم وقال: صَلُّوا كَما رَأيتُموني أُصَلِّي، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُراجِعُ مَن يُسيءُ في صَلاتِه ويُعَلِّمُه الطَّريقةَ الصَّحيحةَ لأدائِها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ رِفاعةُ بنُ رافِعٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: بَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ في المَسجِدِ، أي: عِندَما كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسًا في المَسجِدِ، ورَجُل يُصَلِّي، أي: كان هناكَ رَجُلٌ في المَسجِدِ يُصَلِّي، فلمَّا انصَرَف، أي: لمَّا انتَهى وفرَغَ الرَّجُلُ مِن صَلاتِه، أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وسَلَّمَ عليه، كَما جاءَ بَيانُ ذلك في رِوايةٍ أُخرى، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلِ: أعِدْ صَلاتَك، أي: ارجِعْ وأعِدْ هذه الصَّلاةَ التي صَلَّيتَها؛ فإنَّك لم تُصَلِّ، أي: فصَلاتُك هذه غَيرُ صحيحةٍ، وإذا كانت غَيرَ صحيحةٍ فأنت كَمَن لم يُصَلِّ، فرَجَعَ الرَّجُلُ فصَلَّى كنَحوٍ مِمَّا صَلَّى، أي: مِثلَ صَلاتِه السَّابقةِ.
فلمَّا انصَرَف، أي: لمَّا فرَغَ الرَّجُلُ مِن صَلاتِه وانتَهى مِنها أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وسَلَّمَ عليه، كَما جاءَ بَيانُ ذلك في رِوايةٍ أُخرى، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلِ: أعِدْ صَلاتَك، أي: ارجِعْ وأعِدْ هذه الصَّلاةَ التي صَلَّيتَها؛ فإنَّك لم تُصَلِّ، أي: فصَلاتُك هذه غَيرُ صحيحةٍ، وإذا كانت غَيرَ صحيحةٍ فأنت كَمَن لم يُصَلِّ، فقال الرَّجُلُ: يا رَسولَ اللهِ، فعَلِّمْني، أي: إنِّي لا أُحسِنُ ولا أعرِفُ غَيرَ هذه الكَيفيَّةِ، فعَلِّمْني كَيف أُصَلِّي.
وإنَّما لم يُعَلِّمْه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلًا بَل تَرَكَه حتَّى يَطلُبَ؛ لأنَّ تَعليمَه بَعدَ الطَّلبِ أنفعُ له، وليَكونَ أبلَغَ في تَعريفِه وتَعريفِ غَيرِه بصِفةِ الصَّلاةِ المُجزِئةِ.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا أُقيمَت الصَّلاةُ، أي: انتَهى المُؤَذِّنُ مِن إقامةِ الصَّلاةِ، فكَبِّرْ، أي: كَبِّرْ تَكبيرةَ الإحرامِ والدُّخولِ في الصَّلاةِ قائِلًا: اللَّهُ أكبَرُ، ثُمَّ اقرَأْ بفاتِحةِ الكِتابِ، أي: ثُمَّ بَعدَ تَكبيرةِ الإحرامِ اقرَأْ سورةَ الفاتِحةِ، وما تَيَسَّرَ، أي: وبَعدَ قِراءةِ سورةِ الفاتِحةِ اقرَأْ بَعضًا مِن سورِ القُرآنِ أو آياتِه مِمَّا تَحفظُه، ثُمَّ اركَعْ، أي: ثُمَّ بَعدَ ذلك تَركَعُ، فإذا رَكَعتَ فاجعَلْ راحَتَيك على رُكبَتَيك، أي: اجعَلْ باطِنَ كَفَّيك قابضًا على رُكبَتَيك، فامدُدْ ظَهرَك، أي: ابسُطْه مُعتَدِلًا حتَّى يَكونَ مُستَقيمًا، ولا تَحنِه للأسفَلِ ولا تَرفَعْه للأعلى، ومَكِّنْ لرُكوعِك.
مِن التَّمكينِ، أي: اجعَلْ نَفسَك في مَكانِها زَمَنًا تَطمَئِنُّ في رُكوعِك اطمِئنانًا كامِلًا، وإذا رَفعتَ رَأسَك، أي: إذا رَفعتَ مِن الرُّكوعِ، فقُمْ حتَّى تَرجِعَ العِظامُ إلى مَفاصِلِها.
جَمعُ مَفصِلٍ، وهو رؤوسُ العِظامِ والعُروقِ، أي: فاستَقِمْ قيامًا تَعودُ فيه عِظامُك إلى أماكِنِها، ثُمَّ اسجُدْ، أي: ثُمَّ بَعدَ ذلك اسجُدْ، فإذا سَجَدتَ فمَكِّنْ لسُجودِك، أي: اطمَئِنَّ في سُجودِك على جَبهَتِك اطمِئنانًا كامِلًا، فإذا رَفعتَ، أي: مِن السُّجودِ، فاجلِسْ على فَخِذِك اليُسرى، أي: افتَرِشْ فَخِذَك اليُسرى واجلِسْ عليها، ناصِبًا قدَمَك اليُمنى.
ثُمَّ اصنَعْ ذلك في كُلِّ رَكعةٍ وسَجدةٍ، أي: افعَلْ هذه الكَيفيَّاتِ في كُلِّ رَكعةٍ وكُلِّ سَجدةٍ مِن صَلاتِك.
وفي الحَديثِ بَيانُ حُسنِ تَعليمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه.
وفيه حُسنُ أدَبِ الرَّجُلِ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ تَأخيرِ البَيانِ في المَجلسِ للمَصلحةِ.
وفيه الأمرُ بالقِراءةِ في الرَّكَعاتِ كُلِّها.
وفيه أنَّ تارِكَ هذه الأعمالِ المَذكورةِ في الحَديثِ كَأنَّه لم يُصَلِّ.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ الرُّكوعِ.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ القيامِ مِن الرُّكوعِ.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ السُّجودِ.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ الجُلوسِ بَعدَ الرَّفعِ مِن السُّجودِ .