سَمِعتُ صَخْرًا يُحدِّثُ عن سُبَيعٍ قال: أرسَلوني مِن ماهَ إلى الكُوفةِ أشْتَري الدَّوابَّ، فأتَيْنا الكُناسةَ، فإذا رَجُلٌ عليه جَمْعٌ، قال: فأمَّا صاحبي فانطَلَقَ إلى الدَّوابِّ، وأمَّا أنا فأتَيْتُه، فإذا هو حُذَيفةُ، فسَمِعتُه يقولُ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَسأَلونَه عن الخَيرِ وأسأَلُه عن الشَّرِّ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل بعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ كما كان قَبلَه شَرٌّ؟ قال: نَعَمْ، قُلتُ: فما العِصْمةُ منه؟ قال: السَّيفُ -أحسَبُ أبو التَّيَّاحِ يقولُ: السَّيفُ، أحسَبُ- قال: قُلتُ: ثم ماذا؟ قال: ثم تكونُ هُدْنةٌ على دَخَنٍ، قال: قُلتُ: ثم ماذا؟ قال: ثم تكونُ دُعاةُ الضَّلالةِ، فإنْ رَأيتَ يَومَئذٍ خَليفةَ اللهِ في الأرضِ فالْزَمْه، وإنْ نَهَكَ جِسمَكَ وأخَذَ مالَك، فإنْ لم تَرَهُ فاهْرُبْ في الأرضِ، ولو أنْ تَموتَ وأنتَ عاضٌّ بجِذْلِ شَجَرةٍ، قال: قُلتُ: ثم ماذا؟ قال: ثم يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، قال: قُلتُ: فبِمَ يَجيءُ به معه؟ قال: بنَهَرٍ -أو قال: ماءٍ- ونارٍ، فمَن دَخَلَ نَهَرَه حُطَّ أجْرُه ووَجَبَ وِزْرُه، ومَن دَخَلَ نارَه وَجَبَ أجْرُه وحُطَّ وِزْرُه، قال: قُلتُ: ثم ماذا؟ قال: لو أنتَجْتَ فَرَسًا لم تَركَبْ فَلُوَّها حتى تقومَ السَّاعةُ.

الدلالات الموضوعية:# أشراط الساعة - خروج الدجال ومكثه بالأرض# فتن - العزلة في الفتن# فتن - ما يفعل في الفتن# فتن - فتنة الدجال# إمامة وخلافة - وجوب طاعة الإمام
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: حذيفة بن اليمان
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن دون قوله: "لو أنتجت فرسا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة"،

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4246) باختلاف يسير، وأصله في صحيح البخاري (3606)، ومسلم (1847)

الشرح والتوضيح

الواجِبُ على المُسلمِ أن يَجتَنِبَ مَواضِعَ الفِتَنِ؛ لأنَّه لا أحَدَ يَأمَنُ على نَفسِه مِنها، والمَعصومُ مَن عَصَمَه اللهُ تعالى، وقد أرشَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه إلى ما يَجِبُ فِعلُه في وقتِ الفِتَنِ، وحَذَّرها مِن سوءِ عاقِبةِ الانخِراطِ فيها.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو التَّيَّاحِ الضُّبَعيُّ -وهو أحَدُ الرُّواةِ- أنَّه سَمِع صَخرَ بنَ بَدرٍ العِجليَّ -وهو أحَدُ الرُّواةِ- أنَّه أخبَرَه أنَّ سُبَيعَ بنَ خالدٍ اليَشكُريَّ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- قال: أرسَلوني مِن ماهَ -وهيَ مَدينةُ الدِّينَورِ؛ فقد كان يُقالُ لها: ماه الكوفة، والماهُ: قَصَبةُ البَلدِ- إلى الكوفةِ.

وهيَ مَدينةٌ بالعِراقِ، أشتَري الدَّوابَّ، أي: بَعَثوه إلى الكوفةِ حتَّى يَشتَريَ بَعضَ الدَّوابِّ مِن خَيلٍ وغَيرِها، فأتَينا الكُناسةَ.

وهو اسمُ مَوضِعٍ بالكوفةِ، والكُناسةُ تُطلَقُ على القُمامةِ، فلعَلَّ هذا المَوضِعَ كان مُعَدًّا لرَميِ الكُناسةِ فيه، فسُمِّي المَحَلُّ باسمِ الحالِّ، ثُمَّ اتُّخِذَ بَعدُ سوقًا للبَيعِ والشِّراءِ، فإذا رَجُلٌ عليه جَمعٌ، أي: وجَدَ رَجُلًا اجتَمَعَ النَّاسُ عليه يُحَدِّثُهم، يَقولُ سُبَيعٌ: فأمَّا صاحِبي، أي: الذي خَرَجَ مَعَه، فانطَلقَ إلى الدَّوابِّ، أي: ذَهَب إلى مَكانِ الدَّوابِّ حتَّى يَشتَريَها، وأمَّا أنا فأتَيتُه، أي: ذَهَبتُ إلى هذا الرَّجُلِ الذي اجتَمَعَ عليه النَّاسُ، فإذا هو حُذَيفةُ، أي: كان ذلك الرَّجُلُ هو حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان يُحَدِّثُ النَّاسَ، ومِمَّا كان يُحَدِّثُهم أنَّه قال لهم: كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألونَه عن الخَيرِ، أي: عن أُمورِ الخَيراتِ حتَّى يَعمَلوها، وأسألُه عن الشَّرِّ، أي: كان حُذَيفةُ يَسألُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الشَّرِّ، وعَلَّل ذلك كَما في رِوايةٍ أُخرى: بأنَّه كان يَسألُ عن الشَّرِّ مَخافةَ أن يُدرِكَه ذلك الشَّرُّ، واجتِنابُ الشُّرورِ مُقدَّمٌ على فِعلِ الخَيراتِ، والشَّرُّ: الفِتنةُ ووَهنُ عُرى الإسلامِ، واستيلاءُ الضَّلالِ، وفُشوُّ البِدعةِ، والخَيرُ عَكسُه، فقال حُذَيفةُ: يا رَسولَ اللهِ، هَل بَعدَ هذا الخَيرِ، أي: الإسلامِ، شَرٌّ، كما كان قَبلَه شَرٌّ؟ أي: كما كان قَبلَ الإسلامِ مِن جاهليَّةٍ، والمَعنى: هل سيَكونُ بَعدَ الإسلامِ مِن شَرٍّ.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، أي: سَيَكونُ هناكَ شَرٌّ.

فقال حُذَيفةُ: فما العِصمةُ مِنه؟ أي: فما النَّجاةُ مِن الوُقوعِ في هذا الشَّرِّ، وكيف الثَّباتُ على الخَيرِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: السَّيفُ، أي: تَحصُلُ العِصمةُ باستِعمالِ السَّيفِ.

والمَقصودُ مِن ذلك: قِتالُ مَن يَستَحِقُّ القِتالَ ليُقضى على فِتنَتِه وشَرِّه، ويَخلُصُ النَّاسُ مِمَّا ظَهَرَ به مِن الشَّرِّ.

وهو إمَّا قِتالٌ لمَن يُقاتِلُ، أو قَتلٌ لمَن يَستَحِقُّ القَتلَ مِمَّن يَكونُ مرتَدًّا، أو صاحِبَ شَرٍّ يَستَحِقُّ القَتلَ للتَّخَلُّصِ مِن شَرِّه ومِن فِتنَتِه، أحَسَبُ أبو التَّيَّاحِ يَقولُ: السَّيفُ، أحَسَبَ -وهو ظَنٌّ مِن بَعضِ الرُّواةِ- أنَّ أبا التَّيَّاحِ قال: السَّيفُ.

ثُمَّ قال حُذَيفةُ: ثُمَّ ماذا؟ أي: ماذا سَيَكونُ بَعدَ القِتالِ يا رَسولَ اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثُمَّ تَكونُ هُدنةٌ على دَخَنٍ، أي: يَقَعُ بَينَكُم وبَينَ مَن تُقاتِلونَهم صُلحٌ، وفيه دَخَنٌ، أي: كَدَرٌ غَيرُ صافٍ ولا خالصٍ، وقيل: الدَّخَنُ: الأُمورُ المَكروهةُ.

قال حُذَيفةُ: ثُمَّ ماذا؟ أي: ماذا بَعدَ هذا الصُّلحِ.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثُمَّ تَكونُ دُعاةُ الضَّلالةِ، أي: أُناسٌ يَدعونَ النَّاسَ إلى الضَّلالةِ، ويَصُدُّونَهم عن الهدى بأنواعٍ مِن التَّلبيسِ، وقيل: مَن كان مِن الأُمَراءِ يَدعو إلى بدعةٍ أو ضَلالٍ.

يَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإن رَأيتَ يَومَئِذٍ، أي: أيَّامَ دُعاةِ الضَّلالةِ، خَليفةَ اللهِ في الأرضِ، أي: إمامَ المُسلمينَ مَوجودًا، فالزَمْه، أي: فعليك بطاعَتِه ولُزومِه وعَدَمِ الخُروجِ عليه، وإن نَهِكَ جِسمَك، أي: بالغَ الخَليفةُ في عُقوبةِ بَدَنِك، وأخذَ مالَك، أي: استَولى على ما تَملِكُه مِن الأموالِ، فإن لم تَرَه، أي: إذا لم يوجَدْ خَليفةُ اللهِ، فاهرُبْ في الأرضِ، أي: فعليك بالهَرَبِ في الأرضِ في مَكانٍ تَعتَزِلُ الفِتَنَ، ولو أن تَموتَ وأنتَ عاضٌّ بجِذْلِ شَجَرةٍ.

الجِذْلُ: أصلُ الشَّجَرةِ، أي: ولو كان الاعتِزالُ بالعَضِّ على جِذعِ شَجَرةٍ، فلا تَعدِلْ عنه، والعَضُّ: هو الأخذُ بالأسنانِ والشَّدُّ عليها، والمُرادُ المُبالغةُ في اعتِزالِ المَرءِ للفِتَنِ، حتَّى يُدرِكَه المَوتُ وهو على تلك الحالةِ مِن الاعتِزالِ، قال حُذَيفةُ: ثُمَّ ماذا؟ أي: ثُمَّ ماذا يَكونُ بَعدَ ذلك؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثُمَّ يَخرُجُ الدَّجَّالُ، أي: المَسيحُ الدَّجَّالُ، قال حُذَيفةُ: فبمَ يَجيءُ به مَعَه؟ أي: ماذا يَكونُ مَعَ الدَّجَّالِ حينَ خُروجِه مِن الخَوارِقِ التي يُضِلُّ النَّاسَ بها.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بنَهرٍ -أو قال: ماءٍ.

وهو شَكٌّ مِن الرَّاوي، أي: أنَّ الدَّجَّالَ يَخرُجُ ومَعَه نَهرٌ- ونارٍ، أي: خَندَقِ نارٍ؛ كَي يُضِلَّ النَّاسَ بهما، وقيل: ماؤُه في الحَقيقةِ نارٌ، ونارُه ماءٌ.

فمَن دَخَل نَهرَه، أي: دَخَل نَهرَ الدَّجَّالِ، فقد حُطَّ أجرُه، أي: بَطَل عَمَلُه السَّابقُ، ووجَبَ وِزرُه، أي: إثمُه وذَنبُه اللَّاحِقُ، ومَن دَخَل نارَه، أي: نارَ الدَّجَّالِ فقد وجَبَ أجرُه، أي: ثَبَتَ وتَحَقَّقَ أجرُه، وحُطَّ وِزرُه، أي: سَقَطَت عنه الذُّنوبُ والآثامُ السَّابقةُ.

قال حُذَيفةُ: ثُمَّ ماذا؟ أي: ماذا يا رَسولَ اللهِ بَعدَ الدَّجَّالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو أنتَجتَ فرَسًا.

مِن الإنتاجِ بمَعنى التَّوليدِ، والمُرادُ بالفرَسِ الأُنثى، أي: وَلَدَت وَلدًا، لم تَركَبْ فَلُوَّها، وهو ولدُ الفَرَسِ الصَّغيرُ، حتَّى تَقومَ السَّاعةُ، أي: لن تُدرِكَ أن تَركَبَ ولدَها؛ لأنَّ السَّاعةَ سَتَكونُ قد قامَت! وفي الحَديثِ حِرصُ حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه على مَعرِفةِ مَواطِنِ الخَيرِ مِن الشَّرِّ.

وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَيثُ أخبَرَ بأُمورٍ مُختَلفةٍ مِن الغَيبِ تَكونُ بَعدَ مَوتِه.

وفيه الأمرُ بلُزومِ خَليفةِ المُسلمينَ وعَدَمِ الخُروجِ عليه.

وفيه الحِرصُ على البُعدِ عن الفِتَنِ.

وفيه إثباتُ خُروجِ المَسيحِ الدَّجَّالِ وعَظيمِ فتَنتِه .

أحاديث ذات صلة