عن ابنِ عبَّاسٍ قال : كان موسَى يقولُ لبَني إسرائيلَ إنَّ اللهَ يأمرُكُم بكذا حتَّى دخلَ عليهِمْ في أموالِهِم فشقَّ ذلك على قارونَ فقال لبني إسرائيلَ : إنَّ موسَى يقولُ : من زنَى رُجِمَ ، فتعالَوْا نجعلْ لبغِيٍّ شيئًا حتَّى تقولَ إنَّ موسَى فعلَ بها فيُرجمُ فنستريحُ منه ، ففعَلوا ذلك ، فلمَّا خطبَهُم موسَى قالوا له : وإن كنتَ أنت ؟ قال : وإن كنتُ أنا .
فقالوا : فقد زنَيتَ ، فجَزعَ .
فأرسلوا إلى المرأةِ فلمَّا جاءتْ عظُمَ عليها موسَى ، وسألَها بالَّذي فلَقَ البحرَ لبني إسرائيلَ إلَّا صدَقَتْ ، فأقرَّتْ بالحقِّ ، فخرَّ موسَى ساجدًا يبكي ، فأوحَى اللهُ إليه : إنِّي أمرتُ الأرضَ أنْ تُطيعَكَ فأمُرْها بما شئتَ ، فأمرَها فخُسِفَتْ بقارونَ ومَن معهُ
ذَكَر اللهُ تعالى في القُرآنِ الكَريمِ قِصَّةَ قارونَ، وأنَّه كان مِن قَومِ موسى وأنَّه أوتيَ مِن الأموالِ الشَّيءَ الكَثيرَ، لكِنَّه تَجاوزَ حَدَّه في العُدوانِ، وامتَنَعَ مِن إخراجِ الحَقِّ الواجِبِ عليه فيما آتاه اللهُ مِن الأموالِ، وشَقَّ عليه ذلك، وتَآمَرَ على موسى عليه السَّلامُ؛ فخَسَف اللهُ تعالى به الأرضَ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما فيَقولُ: كان موسى عليه السَّلامُ يَقولُ لبَني إسرائيلَ وهم قَومُ موسى: إنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم بكَذا، أي: كان يَأمُرُ بَني إسرائيلَ بأوامِرِ اللهِ تعالى حتَّى يَمتَثِلوا ويَعمَلوا بها، حتَّى دَخَل عليهم في أموالِهم، أي: حتَّى أمَرَهم بالزَّكاةِ في أموالِهم؛ ففي رِوايةٍ: أنَّه قال لهم: إنَّ اللَّهَ أمَرَني أن آخُذَ الزَّكاةَ.
فشَقَّ ذلك على قارونَ، أي: اشتَدَّ الأمرُ وعَظُمَ على قارونَ أن يُخرِجَ شَيئًا مِن أموالِه كَما أمَرَهم موسى عليه السَّلامُ، فامتَنَعَ مِن ذلك.
فعِندَ ذلك دَبَّرَ قارونُ مَكيدةً حتَّى يَتَخَلَّصَ مِن موسى عليه السَّلامُ، فقال قارونُ لبَني إسرائيلَ: إنَّ موسى يَقولُ: مَن زنى رُجِمَ، أي: أنَّ حَدَّ الزَّاني هو الرَّجمُ حتَّى المَوتِ، فتَعالوا نَجعَلْ لبَغيٍّ، أي: زانيةٍ، شَيئًا، أي: نُعطيها بَعضَ المالِ، حتَّى تَقولَ: إنَّ موسى عليه السَّلامُ فعَلَ بها، أي: إنَّ موسى زَنى بها! فيُرجَمُ فنَستَريحُ مِنه، أي: فعِندَ ذلك نَرجُمُه حتَّى يَموتَ فنَتَخَلَّصَ مِنه ونَرتاحَ! ففعَلوا ذلك، أي: أعطَوا البَغيَّ شَيئًا حتَّى تَقولَ: إنَّ موسى زنى بها، فلمَّا خَطَبَهم موسى عليه السَّلامُ، أي: قامَ يَعِظُهم ويَأمُرُهم بأوامِرِ اللهِ.
قال بَنو إسرائيلَ لموسى: وإن كُنتَ أنتَ؟ أي: أنَّ هذه الأوامِرَ والحُدودَ تُطبَّقُ على الجَميعِ حتَّى لو كان ذلك الفاعِلُ هو أنتَ يا موسى؟ فقال موسى: وإن كُنتُ أنا، أي: حتَّى لو كنتُ أنا الفاعِلَ فإنَّه يُقامُ عليَّ حُكمُ اللهِ وأمرُه.
فقالوا له: فقد زَنَيتَ! أي: إنَّك يا موسى وقَعتَ في جَريمةِ الزِّنا وتَستَحِقُّ بذلك الرَّجمَ.
فجَزِعَ.
الجَزَعُ ضِدُّ الصَّبرِ، وقيل: هو أشَدُّ الحُزنِ الذي يَمنَعُ الإنسانَ ويَصرِفُه عَمَّا هو بصَدَدِه، ويَقطَعُه عنه، أي: فزِعَ واستَنكَرَ هذا الأمرَ مِنهم ولم يَتَحَمَّلْ ما قالوه فيه، فأرسَلوا إلى المَرأةِ، أي: بَعَثوا إلى الزَّانيةِ أن تَأتيَ، فلمَّا جاءَت عَظُمَ عليها موسى.
أي رَأت المَرأةُ أنَّ مَقامَ موسى عليه السَّلامُ أعظَمُ مِن أن يُرمى بهذه الفِريةِ، وفي رِوايةٍ أُخرى عَظَّمَ عليها موسى باللهِ، أي: خَوَّفها باللهِ أن تَقول كَذِبًا، وسَألها بالذي فَلَق -أي: شَقَّ- البَحرَ لبَني إسرائيلَ إلَّا صَدَقَت، أي: إلَّا قالت الصِّدقَ ولم تَكذِبْ، فأقَرَّت بالحَقِّ، أي: اعتَرَفت الزَّانيةُ بحَقيقةِ الأمرِ وأنَّ قارونَ هو مَن أمَرَها بذلك، وفي رِوايةٍ أنَّها قالت: أمَا إذا حَلَّفتَني فإنِّي أشهَدُ أنَّك بَريءٌ وأنَّك رَسولُ اللهِ، وأنَّهم أعطَوني المالَ حتَّى أرميَك بنَفسي، فعِندَ ذلك خَرَّ، أي: سَقَطَ، موسى ساجِدًا يَبكي، أي: سَجَدَ للهِ شُكرًا على أن نَجَّاه مِمَّا تآمَرَ عليه قارونُ ومَن مَعَه، فأوحى اللهُ إلى موسى: إنِّي أمَرتُ الأرضَ أن تُطيعَك، أي: سَخَّرتُها أن تُطيعَ ما تَأمُرُها به، فأْمُرْها بما شِئتَ، أي: فأْمُرِ الأرضَ بالذي تُريدُ في حَقِّ قارونَ.
فأمَر موسى الأرضَ فخُسِفَت بقارونَ ومَن مَعَه، أي: انشَقَّت وابتَلعَت قارونَ ومَن مَعَه.
وفي الحَديثِ بَيانُ تآمُر الأعداءِ مِن قديمِ الزَّمانِ على الأنبياءِ والمُصلِحينَ.
وفيه أنَّ اللَّهَ تعالى يُنجي أنبياءه وأولياءه مِن كَيدِ الكائِدينَ.
وفيه ما كان عليه موسى عليه السَّلامُ مِن الخُضوعِ والشُّكرِ للهِ تعالى .