عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أنَّه قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ: «هذا يَوْمٌ حَرامٌ، وبَلَدٌ حَرامٌ، فدِماؤُكم وأمْوالُكم وأعْراضُكم عليكم حَرامٌ، مِثلَ هذا اليَوْمِ، وهذه البَلْدةِ إلى يَوْمِ تَلْقَونَه، وحتَّى دَفْعةٌ دَفَعَها مُسلِمٌ مُسلِمًا يُريدُ بِها سوءًا حَرامًا، وسأَخبِرُكم مَن المُسلِمُ: مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أَمِنَه النَّاسُ على أمْوالِهم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نفْسَه في طاعةِ اللهِ».

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الكبائر# حدود - التشديد في قذف المحصنات# ديات وقصاص - تحريم القتل# رقائق وزهد - الترهيب من مساوئ الأعمال# رقائق وزهد - حفظ الجوارح
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: فضالة بن عبيد
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

الشرح والتوضيح

حَثَّ الإسلامُ على احتِرامِ الأعراضِ والدِّماءِ، ودَعا المُسلِمينَ إلى الأُخوَّةِ والتَّراحُمِ وعَدَمِ انتِهاكِ بَعضِهمُ حُرُماتِ بَعضٍ، وقد أكثَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الوصيَّةِ بحُرمةِ الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ في مَواطِنَ مُتَعَدِّدةٍ، ومِن ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطَب الصَّحابةَ في حَجَّةِ الوداعِ، وهيَ الحَجَّةُ التي ودَّعَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه، وكانت في السَّنةِ العاشِرةِ للهجرةِ، فقال لهم: هذا يَومٌ حَرامٌ، أي: يَومُ النَّحرِ، وهو اليَومُ العاشِرُ مِن ذي الحِجَّةِ، وبَلدٌ حَرامٌ، أي: مَكَّةُ.

والمَقصودُ بحُرمَتِه حُرمةُ القِتالِ فيه والاعتِداءِ وفِعلِ الشَّرِّ والمَعاصي أكثَرَ مِن غَيرِه، فدِماؤمكم، أي: سَفكُ دِمائِكُم.

وأموالُكُم، أي: أخذُها والاعتِداءُ عليها، وأعراضُكُم، أي: التَّكَلُّمُ في عِرضِ الشَّخصِ وأهلِه: عليكُم حَرامٌ، أي: مُحَرَّمةٌ بَينَكُم مُتَأكِّدةُ التَّحريمِ شَديدَتُه، مِثلَ هذا اليَومِ، أي: مِثلَ حُرمةِ يَومِ النَّحرِ، وهذه البَلدةِ، أي: ومِثلَ حُرمةِ مَكَّةَ، إلى يَومِ تَلقَونَه، أي: إلى يَومِ تَلقَونَ رَبَّكُم، والمُرادُ المَوتُ، وحتَّى دَفعةٌ دَفَعَها مُسلِمٌ مُسلِمًا يُريدُ بها سوءًا: حَرامٌ، أي: حتَّى الضَّربةُ الخَفيفةُ باليَدِ إذا أرادَ بها الدَّافِعُ والضَّارِبُ سوءًا بمُسلمٍ فهيَ مَمنوعةٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقيقةَ المُسلمِ فقال: وسَأُخبرُكُم مَنِ المُسلِمُ، أي: المُسلمُ الكامِلُ، وليسَ المُرادُ نَفيَ أصلِ الإسلامِ عَمَّن لم يَكُنْ بهذه الصِّفةِ: مَن سَلِمَ المُسلمونَ مِن لسانِه ويَدِه، أي: لم يُؤذِ مُسلِمًا بقَولٍ ولا فِعلٍ، وخَصَّ اليَدَ بالذِّكرِ؛ لأنَّ مُعظَمَ الأفعالِ بها، وقَدَّمَ اللِّسانَ؛ لأنَّ التَّعَرُّضَ به أسرَعُ وُقوعًا وأكثَرُ، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه النَّاسُ على أموالِهم وأنفُسِهم، أي: المُؤمِنُ الكامِلُ هو الذي ظَهَرَت أمانَتُه وعَدالتُه وصِدقُه بحَيثُ لا يَخافُ مِنه النَّاسُ بإذهابِ مالِهم وقَتلِهم ومَدِّ اليَدِ على نِسائِهم، ومَن لم يَكُنْ بهذه الصِّفةِ فهو مُؤمِنٌ ناقِصُ الإيمانِ، والمُهاجِرُ، أي: المُهاجِرُ الحَقيقيُّ، مَن هَجَر الخَطايا والذُّنوبَ، أي: تَرَكَ كُلَّ ما نَهى اللَّهُ عنه ورَسولُه، والمُجاهِدُ، أي: المُجاهدُ الحَقيقيُّ الذي يَنبَغي أن يُسَمَّى مُجاهدًا، مَن جاهَدَ نَفسَه في طاعةِ اللهِ، أي: المُجاهِدُ ليسَ مَن قاتَل الكُفَّارَ فقَط، بَل المُجاهِدُ مَن حارَبَ نَفسَه وحَملَها وأكرَهَها على طاعةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ نَفسَ الرَّجُلِ أشَدُّ عَداوةً مَعَه مِنَ الكُفَّارِ؛ لأنَّها تُلازِمُه، وتَمنَعُه عنِ الخَيراتِ والطَّاعاتِ، فإن غَلبَها فهو المُجاهِدُ حَقًّا.

وفي الحَديثِ تَعظيمُ حُرمةِ دَمِ المُسلمِ ومالِه وعِرضِه.

وفيه بَيانُ حَقيقةِ المُسلمِ.

وفيه بَيانُ حَقيقةِ المُؤمِنِ.

وفيه بَيانُ حَقيقةِ الهِجرةِ.

وفيه بَيانُ حَقيقةِ الجِهادِ .

أحاديث ذات صلة