دخَل علَيَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، فوضَع ثوبَه بينَ فَخِذَيه، فجاءَ أبو بكْرٍ يستأذِنُ، فأَذِنَ له، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على هيئَتِه، ثمَّ جاءَ عُمَرُ يَستأذِنُ، فأذِنَ له، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على هيئَتِه، وجاءَ ناسٌ مِن أصحابِه، فأَذِنَ لهم، وجاءَ علِيٌّ يَستأذِنُ فأذِنَ له، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على هيئَتِه، ثمَّ جاءَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ فاستأذَنَ، فتجَلَّلَ ثوبَهُ، ثمَّ أَذِنَ له، فتحدَّثوا ساعةً، ثمَّ خرَجوا، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، دخَل عليكَ أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعلِيٌّ، وناسٌ مِن أصحابِكَ، وأنتَ على هيئَتِكَ لم تَحَرَّكْ، فلمَّا دخَل عُثمانُ تَجلَّلْتَ ثوبَكَ! فقالَ: ألَا أَستَحْيي ممَّنْ تَستَحْيي منهُ المَلائِكةُ؟

الدلالات الموضوعية:# بر وصلة - الحياء# استئذان - الاستئذان في العورات الثلاث# مناقب وفضائل - عثمان بن عفان# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: حفصة أم المؤمنين
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح لغيره

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (26467) واللفظ له، وعبد بن حميد (1545)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1719)

الشرح والتوضيح

الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أميرُ المُؤمِنينَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه؛ الخَليفةُ الرَّاشِدُ، وله مَناقِبُ كَثيرةٌ، وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ أُمُّ المُؤمِنينَ حَفصةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَل عليها ذاتَ يَومٍ، أي: في يَومٍ مِن أيَّامِها التي يَكونُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَها، فوَضَع رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَوبَه بَينَ فَخِذَيه، أي: جَمَعَ ثَوبَه وجَعَله بَينَ فَخِذَيه، ولعَلَّه أصبَحَت فَخِذُه مَكشوفةً أو ظاهرةً، كَما في الرِّواياتِ الأُخرى، ثُمَّ إنَّه جاءَ أبو بَكرٍ يَستَأذِنُ، أي: يُريدُ أن يَدخُلَ عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأذِنَ له، أي: أذِنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي بَكرٍ بالدُّخولِ، فدَخَل أبو بَكرٍ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هَيئَتِه، أي: لم يَتَحَوَّلْ عن هَيئَتِه تلك، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ يَستَأذِنُ، أي: يُريدُ الدُّخولَ، فأذِنَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هَيئَتِه، أي: لم يَتَحَوَّلْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هَيئَتِه تلك، ثُمَّ جاءَ ناسٌ مِن أصحابِه يُريدونَ الدُّخولَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأَذِنَ لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالدُّخولِ فدَخَلوا، ثُمَّ جاءَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه يَستَأذِنُ، فأذِنَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هَيئَتِه، ثُمَّ جاءَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه فاستَأذَنَ، أي: طَلبَ الإذن بالدُّخولِ، فلمَّا عَلمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الدَّاخِلَ هو عُثمانُ، تَجَلَّل ثَوبَه، أي: غَطَّى ولبسَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَوبَه على بَدَنِه، ثُمَّ أذِنَ له، أي: أذِنَ لعُثمانَ بالدُّخولِ.

فتَحَدَّثوا ساعةً، أي: وقتًا مِنَ الزَّمَنِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ خَرَجوا.

فاستَغرَبَت حَفصةُ هذا الفِعلَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، دَخَل عليك أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعليٌّ وناسٌ مِن أصحابِك، وأنتَ على هَيئَتِك لم تَحَرَّكْ، أي: لم تَتَحَوَّلْ عن هَيئَتِك تلك، فلمَّا دَخَل عُثمانُ تَجَلَّلتَ ثَوبَك! أي: تَغَطَّيتَ بالثَّوبِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألَا أستَحيي مِمَّن تَستَحيي مِنه المَلائِكةُ؟! أي: إذا كانتِ المَلائِكةُ تَستَحيي مِن عُثمانَ، فكَيف لا أستَحيي أنا مِنه، وعُثمانُ رَجُلٌ حَييٌّ، ولمَّا كان الغالِبُ على عُثمانَ الحَياءَ جَزاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن جِنسِ فِعلِه.

وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ عُثمانَ رَجُلٌ كَثيرُ الحَياءِ، ولو أذِنتُ له على تلك الحالِ خَشيتُ ألَّا يَبلُغَ في حاجَتِه، أي: يَستَحيي عُثمانُ مِنِّي، فلا يَطلُبُ غَرَضَه الذي جاءَ مِن أجلِه.

وفي الحَديثِ فَضلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وشَدَّةُ حَيائِه.

وفيه حُجَّةٌ لمَن قال: إنَّ الفَخِذَ ليسَت بعَورةٍ.

وفيه أنَّ تَعَرِّيَ الرَّجُلِ في بَيتِه مَعَ سَترِ عَورَتِه جائِزٌ.

وفيه أنَّ الحَياءَ صِفةٌ جَميلةٌ مِن صِفاتِ المَلائِكةِ.

وفيه الحَثُّ على تَوقيرِ مَن يَستَحِقُّ مِنَ النَّاسِ، ولا سيَّما العُلماءِ والصَّالحينَ.

وفيه عَدَمُ الدُّخولِ على الغَيرِ بغَيرِ إذنِه.

وفيه طَلبُ الإذنِ عِندَ الدُّخولِ على الغَيرِ .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (44/ 67 ط الرسالة) ((26467- حدثنا هاشم، قال: حدثنا أبو معاوية- يعني شيبان- عن أبي اليعفور، عن عبد الله بن أبي سعيد المدني، عن حفصة بنت عمر ، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فوضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فأذن له ورسول الله صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عمر يستأذن، فأذن له ورسول الله صلى الله عليه وسلم على هيئته، وجاء ناس من أصحابه، فأذن لهم، وجاء علي يستأذن، فأذن له ورسول الله صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان بن عفان، فاستأذن، فتجلل ثوبه، ثم أذن له، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله، دخل عليك أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك وأنت على هيئتك لم تحرك، فلما دخل عثمان تجللت ثوبك! فقال: (( ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة)).

[المنتخب من مسند عبد بن حميد ت مصطفى العدوي] (2/ 392) ((‌1545- أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عثمان بن خالد، عن عبد الله بن سعيد، أن حفصة أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عمر، ثم جاء علي، ثم جاء الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتحدث معهم، ثم جاء عثمان فاستأذن فجلل عليه، ثم أذن له، فلما خرجوا قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر ثم عمر ثم علي وأنت على هيئتك، فلما استأذن عثمان جللت عليك الثوب؟ فقال: ((ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟)).

[شرح مشكل الآثار] (4/ 420) ((‌1719- كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني أبو خالد، عن عبد الله بن أبي سعيد المديني، قال: حدثتني حفصة ابنة عمر ، قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم أناس من أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فتجلله، فتحدثوا، ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر، وعمر، وعلي وناس من أصحابك، وأنت على حالك، فلما جاء عثمان تجللت ثوبك قال:)) أولا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة ((؟ قال: وسمعت أبي، وغيره يحدثون نحوا من هذا قال أبو جعفر: فكلام الزهري الذي ذكرته أنه المخاطب لنا هو عندنا على قصد الزهري به إلى أبي خالد هذا أو إلى من سواه وإلى عبد الله بن أبي سعيد وأمثاله لا إلى محمد بن أبي حرملة وأمثاله إن شاء الله، والذي نقوله: نحن أن نصحح الحديثين جميعا فنجعلهما كانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومين مختلفين أو في مرتين مختلفتين، قال في كل واحد منهما واحدا من القولين المذكورين فيهما، وفي ذلك اجتماع الفضيلتين جميعا لعثمان رضي الله عنه باستحياء الملائكة منه وبحيائه في نفسه رضوان الله عليه وبالله التوفيق)).

أحاديث ذات صلة