أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ وَهوَ بعرفةَ فجاءَ ناسٌ أو نفرٌ من أَهْلِ نجدٍ فأمَروا رجلًا فَنادى رسولُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ كيفَ الحجُّ ؟ فأمرَ رجلًا فَنادى الحجُّ ، الحجُّ ، يومُ عرفةَ ، مَن جاءَ قبلَ صلاةِ الصُّبحِ من لَيلةِ جَمعٍ فتمَّ حجُّة أيَّامُ منًى ثلاثةٌ ، فمَن تعجَّلَ في يومينِ ، فلا إثمَ عليهِ ، ومَن تأخَّرَ فلا إثمَ عليه ، قالَ: ثمَّ أردفَ رجُلًا خلفَهُ فجعلَ يُنادي بذلِكَ .
أخرجه أبو داود (1949)
فرَضَ اللهُ تعالى الحَجَّ وجَعَله رُكنًا مِن أركانِ الإسلامِ لمَنِ استَطاعَ إليه سَبيلًا، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم.
ومِن أعظَمِ أركانِ الحَجِّ الوُقوفُ بعَرَفةَ، فمَن أدرَكَ الوُقوفَ بعَرَفةَ ولو جُزءًا يَسيرًا مِنَ الوقتِ صَحَّ له الوُقوفُ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ يَعمَرَ الدِّيليُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بعَرَفةَ، أي: وهو واقِفٌ بجَبَلِ عَرَفةَ في حَجَّةِ الوداعِ، فجاءَ ناسٌ أو نَفرٌ، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، مِن أهلِ نَجدٍ، أي: قَبيلةِ نَجدٍ إحدى قَبائِلِ العَرَبِ، فأمَروا رَجُلًا، أي: كَلَّفوا أحَدَهم أن يُناديَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويَسألَه، فنادى الرَّجُلُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَيف الحَجُّ؟ أي: كَيف حَجُّ مَن لم يُدرِكْ يَومَ عَرَفةَ؟ فأمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلًا أن يُناديَ حتَّى يُسمِعَ النَّاسَ ويَرفعَ صَوتَه، فيَقولَ: الحَجُّ الحَجُّ -أي: الحَجُّ الصَّحيحُ، أوِ الحَجُّ الكامِلُ- يَوم عَرَفةَ، أي: مِلاكُ الحَجِّ ومُعظَمُ أركانِه وُقوفُ عَرَفةَ؛ لأنَّه يَفوتُ بفواتِه، ثُمَّ بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقتَ الوُقوفِ بعَرَفةَ، فقال: مَن جاءَ قَبلَ صَلاةِ الصُّبحِ مِن ليلةِ جَمعٍ -وهيَ ليلةُ المَبيتِ بمُزدَلفةَ، تُسَمَّى بجَمعٍ- فتَمَّ حَجُّه، أي: مَن أدرَكَ الوُقوفَ بعَرَفةَ ليلةَ مُزدَلفةَ قَبلَ صَلاةِ صُبحِ يَومِ العيدِ فقد أدرَكَ الوُقوفَ بعَرَفةَ ولم يَفُتْه الحَجُّ، فإذا طَلعَ الفجرُ والإنسانُ لم يَصِلْ إلى عَرَفةَ فإنَّه قد فاتَه الحَجُّ ذلك العامَ، ويَتَحَوَّلُ إلى عُمرةٍ ويَتَحَلَّلُ.
أيَّامُ مِنًى ثَلاثةٌ، أي: الأيَّامُ التي يَبيتُ فيها الحاجُّ بَعدَ يَومِ النَّحرِ في مِنًى ثَلاثةُ أيَّامٍ، وهيَ الأيَّامُ المَعدوداتُ، وأيَّامُ التَّشريقِ، وأيَّامُ رَميِ الجِمارِ، وهيَ الثَّلاثةُ التي بَعدَ يَومِ النَّحرِ: الحادي عَشَرَ، والثَّاني عَشَرَ، والثَّالثَ عَشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ، فمَن تَعَجَّل في يَومَينِ، أي: استَعجَل بالنَّفرِ، أي: الخُروجِ مِن مِنًى فنَفَر في اليَومِ الثَّاني مِن أيَّامِ التَّشريقِ، فلا إثمَ عليه، أي: لا حَرَجَ عليه في استِعمالِ هذه الرُّخصةِ والتَّعَجُّلِ، ومَن تَأخَّرَ، أي: أكمَلَ الثَّلاثةَ الأيَّامِ كُلَّها، فلا إثمَ عليه، أي: لا حَرَجَ عليه.
ثُمَّ أردَف، أي: أتبَعَ رَجُلًا خَلْفَه، أي: بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلًا رَجُلًا فنادى بذلك، ثُمَّ أتبَعَ هذا الرَّجُلَ برَجُلٍ آخَرَ يُنادي بما قاله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو أنَّ مَن جاءَ إلى عَرَفةَ قَبلَ صَلاةِ الفجرِ ليلةَ جَمعٍ تَمَّ حَجُّه، وأنَّ أيَّامَ مِنًى ثَلاثةُ أيَّامٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ أعظَمَ أركانِ الحَجِّ هو الوُقوفُ بعَرَفةَ.
وفيه بَيانُ أنَّ وقتَ الوُقوفِ بعَرَفةَ يَمتَدُّ إلى فجرِ يَومِ العيدِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوُقوفِ بعَرَفةَ ليلًا.
وفيه بَيانُ أنَّ أيَّامَ مِنًى ثَلاثةُ أيَّامٍ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّعَجُّلِ أوِ التَّأخُّرِ في أيَّامِ مِنًى.
وفيه النِّداءُ بأحكامِ الحَجِّ ليَشتَهِرَ أمرُها ويَتَعَلَّمَها النَّاسُ.
وفيه مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُ عنِ العالمِ الحَديثَ إذا لم يَكُنْ يُسمَعُ صَوتُه، أو كان العَدَدُ كَثيرًا .
سنن أبي داود (2/ 196 ت محيي الدين عبد الحميد) :
1949 - حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، حدثني بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلا فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الحج؟، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فنادى الحج، الحج، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، قال: ثم أردف رجلا خلفه فجعل ينادي بذلك.
قال أبو داود: وكذلك رواه مهران، عن سفيان، قال: الحج، الحج مرتين ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان قال: الحج مرة