وذكر الحَوْضَ - قال : وأَكْثَرُ الناسِ عَلَيَّ وارِدَةً فقراءُ المهاجرينَ قلنا : ومَن هم يا رسولَ اللهِ ؟ قال : الشُّعْثُ رُؤُوسًا الدَّنِسَةُ ثِيَابًا ، الذين لا يَنْكِحُونَ المُنَعَمَّاتِ ، ولا يُفْتَحُ لهم أبوابُ السُّدَدِ ، الذين يُعْطُونَ الحقَّ الذي عليهم ولا يُعْطَوْنَ الذي لهم
إنَّ مِمَّا يُكرِمُ اللهُ تعالى به نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في يَومِ القيامةِ أن أعطاه حَوضًا عَظيمًا يَشرَبُ مِنه المُؤمِنونَ مِن أمَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد جاءَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ ببَيانِ عَظَمةِ هذا الحَوضِ وأنَّه واسِعٌ جِدًّا، حتَّى إنَّه يَرِدُ عليه الأُمَّةُ الكَثيرةُ مِنَ النَّاسِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ ثَوبانُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَدَّثَهم فذَكَرَ لهمُ الحَوضَ يَومَ القيامةِ، وقال لهم: أكثَرُ النَّاسِ عليَّ وارِدةً فُقَراءُ المُهاجِرينَ، أي: أكثَرُ مَن يَرِدُ عليه يَومَ القيامةِ عِندَ الحَوضِ ليَشرَبَ مِنه هم فُقَراءُ المُهاجِرينَ الذينَ هاجَروا مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ لأجلِ اللهِ تعالى.
فقال الصَّحابةُ: ومَن هم يا رَسولَ اللهِ؟ أي: مَن هؤلاء الفُقَراءُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الشُّعثُ رُؤوسًا.
الشَّعَثُ: هو الشَّيءُ المُنتَشِرُ والمُتَفرِّقُ، أي: شُعورُهم مُنتَشِرةٌ مُتَفرِّقةٌ غَيرُ مُجتَمِعةٍ؛ لقِلَّةِ تَعَهُّدِها بالدُّهنِ، الدَّنِسةُ ثيابًا.
الدَّنَسُ هو الوَسَخُ، أي: ثيابُهم مُتَّسِخةٌ لقِلَّةِ ثيابِهم، أو لعَدَمِ ما يَجِدونَ ما يَغسِلونَ به ثيابَهم، أو لعَدَمِ اهتِمامِهم بالدُّنيا، الذينَ لا يَنكِحونَ المُنَعَّماتِ، أي: لو خَطَبوا المُتَنَعِّماتِ بجَمالِهنَّ ومالِهنَّ لم يُجابوا إلى تَزويجِهنَّ لهم؛ لعَدَمِ كَفاءَتِهم لهنَّ عِندَ النَّاسِ، أوِ الذينَ لا يَتَزَوَّجونَ المُتَنَعِّماتِ لتَركِهمُ الشَّهَواتِ وزُهدِهم في اللَّذَّاتِ.
ولا يُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَدِ.
جَمعُ سُدَّةٍ وهيَ بابُ الدَّارِ، سُمِّيَ بذلك لأنَّ المَدخَلَ يُسَدُّ به، أي: لو دَقُّوا الأبوابَ واستَأذَنوا الدُّخولَ لم يُفتَحْ ولم يُؤذَنْ لهم في الدُّخولِ؛ لحَقارَتِهم عِندَ النَّاسِ، والمَعنى: أنَّهم لا يُهتَمُّ بهم ولا يُلتَفَتُ إليهم على وَجهِ العُمومِ، أو لا تُفتَحُ لهم أبوابُ الأُمَراءِ والسَّلاطينِ؛ لفَقرِهم وعَدَمِ وُجودِ شَوكةٍ لهم مِثلَ غَيرِهم مِن أصحابِ الجاهِ والمالِ، وهذا القَولُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمواساةِ الفُقَراءِ وتَثبيتِهم على الإيمانِ والإسلامِ، وإعلامِهم بما لهم مِن مَكانةٍ وخَيرٍ على ذلك في الآخِرةِ.
الذينَ يُعطونَ الحَقَّ الذي عليهم، أي: يُؤَدُّونَ ما عليهم كامِلًا، ولا يُعطَونَ الذي لهم، أي: لا يُعطيهمُ المسؤولون ما لهم مِنَ الحَقِّ الذي يَستَحِقُّونَه.
وفي الحَديثِ إثباتُ حَوضِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ القيامةِ.
وفيه بَيانُ أنَّ فُقَراءَ المُهاجِرينَ هم أكثَرُ مَن يَرِدُ الحَوضَ يَومَ القيامةِ.
وفيه بَيانُ فَضلِ فُقَراءِ المُهاجِرينَ .