رأيتُ النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أمرَ النَّاسَ في سفرِهِ عامَ الفتحِ بالفطرِ وقالَ تقوَّوا لعدوِّكم وصامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ قالَ أبو بكرٍ قالَ الَّذي حدَّثني لقد رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بالعَرْجِ يصبُّ على رأسِهِ الماءَ وهوَ صائمٌ منَ العطشِ أو منَ الحرِّ
الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ قائِمةٌ على التَّيسيرِ، ومِن أنواعِ التَّيسيرِ الرُّخصةُ في الإفطارِ في رَمَضانَ للمُسافِرِ، فيُشرَعُ للمُسافِرِ أن يُفطِرَ في رَمَضانَ؛ يَقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 183، 184] ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو بَكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، عن بَعضِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه رَأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُ النَّاسَ بالفِطرِ، أي: لمَّا عَلمَ المَشَقَّةَ التي حَصَلت لهم في سَفَرِه عامَ الفَتحِ، أي: في غَزوةِ فَتحِ مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ، وكانت في شَهرِ رَمَضانَ.
وقال لهم: تَقَوَّوا لعَدوِّكُم، أي: استَعينوا على قِتالِ عَدوِّكُم بالفِطرِ؛ وذلك أنَّ الصِّيامَ يُضعِفُ الشَّخصَ؛ فلذلك رَخَّصَ لهم في الفِطرِ، وصامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخَذَ بالعَزيمةِ فصامَ ولم يُفطِرْ، فهو ليسَ كهَيئَتِهم، فعِندَه مِنَ القوَّةِ ما ليسَ عِندَهم، فلا يُخشى عليه الضَّعفُ مِنَ الصَّومِ، بَل يَزيدُه الصِّيامُ قوَّةً ونَشاطًا.
قال أبو بَكرٍ -وهو الرَّاوي عنِ الصَّحابيِّ: قال الذي حَدَّثَني، يُريدُ بذلك الصَّحابيَّ الذي حَدَّثَه: لقد رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالعَرْجِ -وهو وادٍ على طَريقِ الحُجَّاجِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، جَنوبَ المَدينةِ على بُعدِ 113 كم- يَصُبُّ على رَأسِه الماءَ وهو صائِمٌ مِنَ العَطَشِ أو مِنَ الحَرِّ، أي: رَأى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مواصِلًا للصَّومِ ولم يُفطِرْ، ومِن شِدَّةِ الحَرِّ أوِ العَطَشِ كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصُبُّ على رَأسِه الماءَ؛ لكَي يُخَفِّفَ الحَرارةَ أوِ العَطَشَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الفِطرِ في السَّفرِ في رَمَضانَ.
وفيه مَشروعيَّةُ الصِّيامِ في السَّفرِ.
وفيه أنَّ حِفظَ القوَّةِ بالفِطرِ أفضَلُ لمَن هو مُنتَظِرٌ للِقاءِ العَدوِّ ذلك اليَومَ.
وفيه مَشروعيَّةُ أن يَدفعَ الصَّائِمُ عن نَفسِه الحَرَّ أوِ العَطَشَ بصَبِّ الماءِ على رَأسِه أوِ الاغتِسالِ .