اختَصمَ إلى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - رجُلانِ في حَريمِ نَخلةٍ في حَديثِ أحدِهِما ، فأمرَ بِها فذُرِعَت ، فوجَدَت سَبعةَ أذرُعٍ .
وفي حديثِ الآخرِ فوُجِدَتْ خَمسَةَ أذرُعٍ فقَضَى بذلِكَ .
قالَ عبدُ العزيزِ فأمرَ بجريدَةٍ مِن جريدِها فذُرِعَتْ .
لقد وضَعَ الإسلامُ حُدودًا واضِحةً تَمنَعُ الاختِلافَ في الأملاكِ ومَنافِعِ الأرضِ والنَّخلِ والآبارِ وشِبهِ ذلك، وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لبَعضِ ذلك؛ حَيثُ يُخبرُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه: اختَصَمَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلانِ، أي: اختَلفا وطَلبا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الفَصلَ بَينَهما، في حَريمِ نَخلةٍ، أي: في أرضٍ حَولَ النَّخلةِ قَريبًا مِنها، والحَريمُ: هو كُلُّ مَوضِعٍ تَلزَمُ حِمايَتُه، وحَريمُ البئرِ وغَيرِها: ما حَولها مِن حُقوقِها ومَرافِقِها، وحَريمُ الدَّارِ: ما أُضيفَ إليها وكان مِن حُقوقِها، والمُرادُ: أنَّهما اختَلفا في مِساحةِ وأبعادِ الأرضِ التي يَملِكُها صاحِبُ النَّخلةِ حَولَها.
فأمَرَ بها، أي: أمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنَّخلةِ فذُرِعَت، أي: قيسَ طولُها وحُسِب، وهذا الحَديثُ رَواه اثنانِ مِنَ الرُّواةِ، وقدِ اختَلفا في طولِ النَّخلةِ؛ فورَدَ في حَديثِ أحَدِهما: فوُجِدَت سَبعَ أذرُعٍ، أي: بذِراعِ الإنسانِ، وفي حَديثِ الآخَرِ: فوُجِدَت خَمسَ أذرُعٍ.
والذِّراعُ 46 سم تَقريبًا، فقَضى بذلك، أي: حَكَم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَكونَ حَريمُ النَّخلةِ بمِثلِ طُولِها مِن جَميعِ الجِهاتِ.
فإن كانتِ النَّخلةُ سَبعَ أذرُعٍ يَكونُ حَريمُها أي: ما حَواليها سَبعَ أذرُعٍ، وإن كانت أكثَرَ مِن سَبعِ أذرُعٍ يَكونُ حَريمُها مِثلَها، وإن كانت أقَلَّ مِن سَبعِ أذرُعٍ يَكونُ حَريمُها مِثلَها، وهَكَذا، فلا يَجوزُ لأحَدٍ أن يَستَوليَ على شَيءٍ مِن حَريمِها وإن قَلَّ، وكذلك الحُكمُ لكُلِّ شَجَرٍ مِنَ الأشجارِ، فيَكونُ حَريمُه بقَدرِ قامَتِه.
قال عَبدُ العَزيزِ، وهو ابنُ مُحَمَّدٍ الدَّراوَرديُّ، أحَدُ رواةِ الحَديثِ، فأمَرَ، أي: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بجَريدةٍ.
وهيَ غُصنُ النَّخلةِ بلا ورَقٍ مِن جَريدِها، فذُرِعَت، أي: بأن تُؤخَذَ جَريدةٌ مِنَ النَّخلةِ، ثُمَّ تُجعَلَ في أصلِ النَّخلةِ على الأرضِ وتُمَدَّ الجَريدةُ مُستَديرةً مِن جَميعِ الجِهاتِ، ويَكونُ هذا هو حَريمَ النَّخلةِ، وهو الذي يَملِكُه صاحِبُها.
وفي الحَديثِ بَيانُ كَم يَكونُ حُدودُ النَّخلِ ونَحوِها مِنَ الأملاكِ.
وفيه أنَّ مَن أحيا شَجَرةً في مَواتٍ فله حَريمُها قَدْرَ ما تُمَدُّ إليه أغصانُها حَوالَيها، وفي النَّخلةِ مِن جَريدِها .