أذنَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - بالغَزوِ وأَنا شيخٌ كبيرٌ ليسَ لي خادمٌ ، فالتَمستُ أجيرًا يَكْفيني ، وأجري لَهُ سَهْمَهُ ، فوجَدتُ رجلًا ، فلمَّا دَنا الرَّحيلُ أتاني فقالَ : ما أدري ما السُّهمانِ وما يبلُغُ سَهْمي ؟ فسمِّ لي شيئًا ، كانَ السَّهمُ أو لم يَكُن ، فسمَّيتُ لَهُ ثلاثةَ دَنانيرَ ، فلمَّا حضَرَت غَنيمتُهُ ، أردتُ أن أُجريَ لَهُ سَهمَهُ ، فذَكَرتُ الدَّنانيرَ ، فَجِئْتُ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - فذَكَرتُ لَهُ أمرَهُ فقالَ : ما أجِدُ لهُ في غزوتِهِ هذِهِ في الدُّنيا والآخرةِ إلَّا دَنانيرَهُ الَّتي سمَّى .
أخرجه أبو داود (2527)، والحاكم (2530)، والبيهقي (13286)
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضَلِ الأعمالِ وأحَبِّها إلى اللهِ تعالى؛ وذلك لِما فيه مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ، وإعلاءِ شَأنِه، ورَدِّ عُدوانِ المُعتَدِينَ، والجِهادُ يَشمَلُ الجِهادَ بالنَّفسِ والمالِ، وقد ورَدَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بالحَثِّ على الجِهادِ، ومِنَ المَسائِلِ المُتَعَلِّقةِ بالجِهادِ أن يَستَأجِرَ الشَّخصُ العاجِزُ مَن يَخدُمُه في الجِهادِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ يَعلى بنُ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: أذِنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالغَزوِ، أي: أعلمَ ونادى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ بالخُروجِ للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، وأنا شَيخٌ كَبيرٌ، أي: كان يَعلى شَيخًا كَبيرًا، ليسَ لي خادِمٌ، أي: لا يوجَدُ له خادِمٌ يَقومُ مَعَه ويُساعِدُه في الغَزوِ، فالتَمَستُ، أي: طَلبتُ أجيرًا، أي: استَأجَرَ رَجُلًا، يَكفيني، أي: يَخدُمُني أثناءَ السَّفَرِ للغَزوِ، وأُجري، أي: أُمضي، له سَهمَه، أي: نَصيبَه الذي يَحصُلُ له مِنَ الغَنيمةِ كَسائِرِ الغُزاةِ، فوجَدتُ رَجُلًا، أي: وجَدَ أجيرًا واتَّفقَ مَعَه على ذلك، فلمَّا دَنا الرَّحيلُ، أي: قَرُبَ وقتُ الخُروجِ للغَزوِ، جاءَ الأجيرُ ليَعلى، فقال له: ما أدري ما السُّهْمانُ، أي: ما أدري قَدْرَ ما يَحصُلُ لي، وما يَبلُغُ سَهمي، أي: لا أعلمُ كَم سَيَكونُ نَصيبي مِنَ الغَنيمةِ، فسَمِّ لي شَيئًا، أي: حَدِّدْ لي أُجرةً مَعلومةً، كان السَّهمُ أو لم يَكُنْ، أي: سَواءٌ وُجِدَ السَّهمُ أو لم يوجَدْ.
يَقولُ يَعلى: فسَمَّيتُ له ثَلاثةَ دَنانيرَ، أي: عَيَّنتُ له أُجرَتَه ثَلاثةَ دَنانيرَ.
فلمَّا حَضَرَت غَنيمَتُه، أي: وقَعَ تَوزيعُ الغَنائِمِ، أرَدت أن أُجريَ له سَهْمَه، أي: أن أُعطيَه نَصيبَه الذي وقَعَ له مِنَ الغَنيمةِ، فذَكَرتُ الدَّنانيرَ، أي: تَذَكَّرتُ أنَّني اتَّفقتُ مَعَه على ثَلاثةِ دَنانيرَ، فتَرَدَّدتُ فيه بأن أُعطيَ له سَهمَه، أو أُعطيَ له الدَّنانيرَ التي سَمَّيتُها له.
فجِئتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكَرتُ له أمرَه، أي: ذَهَبَ يَعلى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأخبَرَه بخَبَرِ الأجيرِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أجِدُ له في غَزوتِه هذه في الدُّنيا والآخِرةِ إلَّا دَنانيرَه التي سَمَّى، أي: لا يُعطى شيئًا مِنَ الغَنيمةِ؛ لأنَّه اتَّفقَ مَعَه على هذه الدَّنانيرِ، وكذلك ليسَ له شَيءٌ في الآخِرةِ؛ لأنَّه ما جاهَدَ مِن أجلِ اللهِ، وإنَّما خَرَجَ مِن أجلِ الأُجرةِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ إعلامِ المُقاتِلينَ بوقتِ الجِهادِ ليَستَعِدُّوا له.
وفيه مَشروعيَّةُ الإجارةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ الخادِمِ عِندَ الحاجةِ إليه.
وفيه مَشروعيَّةُ الاستِئجارِ للخِدمةِ في السَّفرِ.
وفيه بَيانُ اعتِناءِ الصَّحابةِ بالسُّؤالِ عَمَّا يَطرَأُ لهم.
وفيه مَشروعيَّةُ غَزوِ الرَّجُلِ بأجيرٍ يَخدُمُه.
وفيه أنَّ مَن غَزا للأُجرةِ فقَط ليسَ له ثَوابٌ عِندَ اللهِ تعالى .