أتِيَ عمرُ بمجنونةٍ قد زَنَت ، فاستشارَ فيها أُناسًا ، فأمرَ بِها عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ أن تُرجَمَ ، فمرَّ بِها عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضوانُ اللَّهِ عليهِ ، فقالَ: ما شأنُ هذِهِ ؟ قالوا: مجنونَةُ بَني فلانٍ زنَت ، فأمرَ بِها عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ أن تُرجَمَ ، قالَ: فقالَ: ارجِعوا بِها ، ثمَّ أتاهُ ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ، أما علمتَ أنَّ القلمَ رُفِعَ عن ثلاثةٍ: عنِ المجنونِ حتَّى يَبرأَ ، وعنِ النَّائمِ حتَّى يَستيقظَ ، وعنِ الصَّبيِّ حتَّى يعقِلَ ؟ قالَ: بلى ، قالَ: فما بالُ هذِهِ تُرجَمُ ؟ قالَ : لا شيءَ ، قالَ: فأرسِلْها ، قالَ: فأرسلَها ، قالَ : فَجعلَ يُكَبِّرُ .
أخرجه أبو داود (4399) واللفظ له، وأبو يعلى (587)، والبيهقي (17672) بنحوه
اشتَمَلتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على كُلِّ ما يَحتاجُه المُسلمُ في أمر دينِه ودُنياه، فهذه الشَّريعةُ فيها أحكامُ العَقائِدِ، وأحكامُ العِباداتِ، وأحكامُ المُعامَلاتِ والجِناياتِ والعُقوباتِ، ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالعُقوباتِ: أنَّ الجانيَ لا يُقامُ عليه الحَدُّ إلَّا إذا تَوفَّرَت فيه الشُّروطُ وانتَفتِ المَوانِعُ، ومِن ذلك أن يَكونَ عاقِلًا؛ فالمَجنونُ لا يُقامُ عليه الحَدُّ لعَدَمِ التَّكليفِ، ففي الحَديثِ: رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثةٍ، ومِنهم: وعنِ المَجنونِ حتَّى يُفيقَ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه أُتيَ عَمَرُ بمَجنونةٍ قد زَنَت، أي: جيءَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه بامرَأةٍ مَجنونةٍ قد وقَعَت في جَريمةِ الزِّنا، فاستَشارَ فيها أُناسًا، أي: طَلَب عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مَشورةَ النَّاسِ عن عُقوبةِ هذه المَجنونةِ: هَل تُرجَمُ أم لا؟ فأمر بها عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه أن تُرجَمَ، أي: استَقَرَّ رَأيُه بَعدَ المَشورةِ أن تُرجَمَ هذه المَجنونةُ حتَّى تَموتَ.
فمَرَّ بها عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: مَرَّ عليٌّ بهذه المَجنونةِ وهم يُريدونَ رَجمَها، فقال: ما شَأنُ هذه؟ أي: ما حالُها وماذا تُريدونَ مِنها؟ فقالوا له: مَجنونةُ بَني فُلانٍ زَنَت، فأمَر بها عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه أن تُرجَمَ، أي: أخبَروه بأنَّها مَجنونةٌ وقد زَنَت، فأمر أميرُ المُؤمِنينَ برَجمِها.
فقال لهم عليٌّ: ارجِعوا بها، أي: لا تَرجُموها وارجِعوا بها إلى أن أُراجِعَ عُمَرَ.
ثُمَّ أتاه، أي: ذَهَبَ عليٌّ إلى عُمَرَ ودَخَل عليه وقال له: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أمَا عَلِمتَ أنَّ القَلمَ، أي: قَلَمَ التَّكليفِ والمُؤاخَذةِ، رُفِعَ عن ثَلاثةٍ، أي: عَمَّنِ اتَّصَف بإحدى هذه الخِصالِ الثَّلاثِ: عنِ المَجنونِ حتَّى يَبرَأَ، أي: يَعقِلَ ويشفى مِن جُنونِه، وعنِ النَّائِمِ حتَّى يَستَيقِظَ، أي: حتَّى يَقومَ مِن نَومِه، وعنِ الصَّبيِّ حتَّى يَعقِلَ، أي: يَصيرَ ذا عَقلٍ، والمُرادُ مِنه البُلوغُ.
فقال عُمَرُ: بَلى، أي: أعرِفُ ذلك.
فقال عليٌّ: فما بالُ هذه تُرجَمُ؟ أي: فلماذا تُريدُ رَجمَ هذه المَرأةِ المَجنونةِ التي زَنَت؟ فقال عُمَرُ: لا شَيءَ، أي: ليسَ عليها الآنَ شَيءٌ، فتَغَيَّر اجتِهادُه مِن كَونِه يَرجُمُها إلى كَونِه لا يَرجُمُها.
فقال له عليٌّ: فأرسِلْها، أي: فخَلِّها واترُكْها إذَنْ.
فأرسَلها، أي: تَرَكَها عُمَرُ ولم يُقِمْ عليها الحَدَّ، ورَجَعَ عَمَّا كان أمَر به، لمَّا تَبَيَّنَ له الصَّوابُ.
فجَعَل يُكَبِّرُ، أي: أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه صارَ يَقولُ: اللهُ أكبَرُ، وعادةُ العَرَبِ أنَّهم يُكَبِّرونَ على أمرٍ عَظيمٍ وشَأنٍ فَخيمٍ، وكان عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه عَلِمَ عَدَمَ صَوابِ رَأيِه، وظَنَّ على نَفسِه وُقوعَ الخَطَأِ برَجمِ المَرأةِ المَجنونةِ إن لم يُراجِعْه عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أو أنَّه كَبَّرَ تَعجُّبًا مِن غَفلتِه في الحُكمِ بالرَّجمِ.
ويُحتَمَلُ أنَّ عليًّا هو الذي صارَ يُكَبِّرُ على الهدايةِ والتَّوفيقِ إلى الصَّوابِ.
ولم يَأمُرْ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه برَجمِ مَجنونةٍ مُطبِقٍ عليها الجُنونُ، ولا يَجوزُ أن يَخفى هذا عليه ولا على أحَدٍ مِمَّن بحَضرَتِه، ولكِن لعَلَّ هذه امرَأةٌ كانت تُجَنُّ مَرَّةً وتُفيقُ أُخرى، فرَأى عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه ألَّا يَسقُطَ عنها الحَدُّ لِما يُصيبُها مِنَ الجُنونِ إذ كان الزِّنا مِنها في حالِ الإفاقةِ، ورَأى عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الجُنونَ شُبهةٌ يُدرَأُ بها الحَدُّ عَمَّن يُبتَلى به، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ مُشاوَرةِ أهلِ الفِقهِ والعِلمِ فيما يَحدُثُ مِنَ الوقائِعِ قَبلَ الحُكمِ.
وفيه بَيانُ أنَّ التَّكليفَ لا يَكونُ إلَّا للبالغِ العاقِل الصَّاحي.
وفيه مُراجَعةُ الإمامِ في الأحكامِ التي يَتَّخِذُها.
وفيه تَواضُعُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه ورُجوعُه إلى الحَقِّ.
وفيه بَيانُ عِلمِ وفِقهِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه ما كان عليه عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ الرِّضا بوِلايةِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه ومُخاطَبَتِه له بإمرةِ المُؤمِنينَ .
[سنن أبي داود] (4/ 140) ((4399- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمر بها عمر أن ترجم، مر بها على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، قال: فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت (( أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟)) قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرسلها، قال: فأرسلها، قال: فجعل يكبر)).
[سنن أبي داود] (4/ 140)
4400- حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا وكيع، عن الأعمش ، نحوه، وقال أيضا: حتى يعقل، وقال: ((وعن المجنون حتى يفيق))، قال: فجعل عمر يكبر.
[مسند أبي يعلى] (1/ 440 ت حسين أسد) ((587- حدثنا زهير، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، قال: أتي عمر بامرأة قد فجرت، فأمر بها أن ترجم فمر بها على علي فعرفها، فخلى سبيلها، فأتي عمر فقيل له: إن عليا أخذها من أيدينا فأرسلها، فقال: ادعوه لي، فأتاه، فقال: لم أرسلتها؟ قال: والله لقد علمت يا أمير المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( قد رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يبرأ))، وإن هذه مجنونة بني فلان، ولعل الذي فجر بها أتاها وهي في بلائها)).
السنن الكبرى للبيهقي- دائرة المعارف (8/ 264) 17672- ورواه عطاء بن السائب عن أبى ظبيان مرسلا مرفوعا أخبرنا أبو بكر: أحمد بن الحسن القاضى أخبرنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيبانى حدثنا أحمد بن حازم حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن أبى ظبيان قال: أتى عمر رضى الله عنه بامرأة قد فجرت فأمر برجمها فمر بها على على رضى الله عنه وقد انطلق بها لترجم فأخذها منهم فخلى سبيلها فأتى عمر رضى الله عنه فأخبر أن عليا رضى الله عنه خلى سبيلها فقال ادعوه لى فجاء على رضى الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد علمت أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال:(( رفع القلم عن ثلاثة عن الغلام حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المعتوه حتى يبرأ )).
وإن هذه معتوهة بنى فلان لعل الذى أتاها أتاها وهى في بلائها.
فقال عمر: لا أدرى.
فقال على: وأنا لا أدرى.