عن عَبَايَةَ بنِ رِفاعةَ، قال: بلَغَ عُمَرَ أنَّ سعدًا لَمَّا بَنى القصرَ، قال: انقطَعَ الصُّوَيْتُ، فبعَثَ إليه محمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، فلمَّا قَدِم أخرَجَ زَنْدَه، وأوْرَى نارَه، وابتاعَ حطبًا بدرهمٍ، وقيل لسعدٍ: إنَّ رجُلًا فعَلَ كذا وكذا.

فقال: ذاك محمَّدُ بنُ مسلَمةَ.

فخرَجَ إليه فحلَفَ باللهِ ما قاله، فقال: نُؤدِّي عنك الذي تقولُه، ونَفعَلُ ما أُمِرْنا به.

فأحرَقَ البابَ، ثمَّ أقبَلَ يَعرِضُ عليه أنْ يُزوِّدَه فأبَى، فخرَجَ فقَدِم على عُمَرَ، فهجَّرَ إليه، فسارَ ذَهابُه ورجوعُه تسعَ عشرةَ، فقال: لولا حسنُ الظنِّ بك لَرأَيْنا أنَّك لم تُؤدِّ عنا.

قال: بلى، أرسَلَ يَقرأُ السلامَ، ويَعتذِرُ، ويحلِفُ باللهِ ما قاله.

قال: فهل زوَّدَك شيئًا؟ قال: لا، قال: فما منَعَك أنْ تُزوِّدَني أنت؟ قال: إنِّي كرِهتُ أنْ آمُرَ لك فيكونَ لك الباردُ، ويكونَ لي الحارُّ، وحَوْلي أهلُ المدينةِ قد قتَلَهم الجوعُ، وقد سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: لا يَشبَعُ الرجلُ دونَ جارِه.

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# مساقاة - بيع الحطب والكلأ# بر وصلة - إكرام الجار وعدم أذيته# إمامة وخلافة - الإنكار على الأمراء فيما خالفوا الشرع فيه# إمامة وخلافة - تأديب العامل إذا احتجب عن الرعية أو ترفع عليهم
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:رجاله ثقات رجال الشيخين، ورواية عباية بن رفاعة عن عمر مرسلة

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (390) واللفظ له، وعبدالله بن المبارك في ((الزهد)) (513) مطولاً، والحاكم (7308) مختصراً

الشرح والتوضيح

عَظَّمَتِ الشَّريعةُ مِن مَكانةِ الجارِ، وجاءَ التَّأكيدُ على حَقِّه، والوصيَّةُ به في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ فللجارِ حُقوقٌ عَظيمةٌ، ومِنَ التَّقصيرِ في حَقِّ الجارِ أن يَشبَعَ الرَّجُلُ وجارُه جائِعٌ؛ فقد جاءَ أنَّه لا يُؤمِنُ مَن باتَ شَبعانَ وجارُه جائِعٌ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبايةُ بنُ رِفاعةَ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّه بَلَغَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه لمَّا بَنى القَصرَ، أي: بَيتًا خاصًّا به واحتَجَبَ عنِ النَّاسِ، وكان سَعدٌ واليًا على الكوفةِ، قال: انقَطَعَ الصُّوَيتُ.

تَصغيرُ صَوتٍ، أي: أنَّه لا يَصِلُ إليه الصَّوتُ لارتِفاعِ قَصرِه.

والمَعنى: أنَّه لمَّا بَنى سَعدٌ القَصرَ، وهذا القَصرُ هو أوَّلُ ما أُنشِئَ مِنَ الكوفةِ، بَناه سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ في السَّنةِ السَّابعةَ عَشرةَ للهجرةِ، تِلقاءَ مِحرابِ المَسجِدِ، للإمارةِ وبَيتِ المالِ، وكان قَريبًا مِنَ السُّوقِ، وكانت غَوغاءُ النَّاسِ تَمنَعُ سَعدًا مِنَ الحَديثِ، فكان يُغلِقُ بابَه ويَقولُ: سَكَت الصُّوَيتُ، أي: لم نَعُدْ نَسمَعُ الأصواتَ، هذا الذي بَلغَ عُمَرَ.

فبَعَثَ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه إلى سَعدٍ مُحَمَّدَ بنَ مَسلَمةَ، أي: أرسَل عُمَرُ مُحَمَّدَ بنَ مَسلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنه لتَحريقِ البابِ، أرادَ بذلك ألَّا يَكونَ بَينَه -وهو الأميرُ- وبَينَ رَعيَّتِه بابٌ ولا حِجابٌ؛ ولذلك كَتَبَ له في رِوايةٍ أُخرى: ولا تَجعَلْ على القَصرِ بابًا يَمنَعُ النَّاسَ مِن دُخولِه وتَنفيهم به عن حُقوقِهم.

فلمَّا قَدِمَ، أي: لمَّا وصَل، مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ إلى الكوفةِ أخرج زَندَه، وهو العودُ الأعلى الذى تُقدَحُ به النَّارُ، وأورى نارَه، أي: أوقدَ النَّارَ، وابتاعَ حَطَبًا بدِرهَمٍ، أي: اشتَرى حَطَبًا، يُريدُ بذلك إحراقَ بابِ القَصرِ كَما أمَرَه عُمَرُ كَما جاءَ في رِوايةٍ أُخرى، فقيل لسَعدٍ: إنَّ رَجُلًا فَعَل كَذا وكَذا، أي: أُخبرَ سَعدٌ بما عَمِلَه مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ ولم يَكونوا يَعرِفونَه، فقال سَعدٌ: ذاكَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ، أي: عَرَفه سَعدٌ، ولعَلَّ سَبَبَ مَعرِفتِه إيَّاه أنَّ عُمَرَ خَصَّصَه للسِّفارةِ بَينَه وبَينَ أُمَراءِ الأمصارِ.

فخَرَجَ سَعدٌ إلى مُحَمَّدِ بنِ مَسلَمةَ فحَلَف باللهِ ما قاله، أي: أقسَمَ سَعدٌ باللهِ أنَّه ما قال القَولَ المَنسوبَ إليه، وهو: انقَطَعَ الصُّوَيتُ؛ وذلك لأنَّه يَشعُرُ أنَّه يُؤثِرُ راحَتَه على قَضاءِ مَآرِبِ المُسلِمينَ.

فقال له مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ: نُؤَدِّي عنك الذي تَقولُه، أي: نوصِلُ إلى عُمرَ قَولَك هذا ونُبَلِّغُه.

ونَفعَلُ ما أمَرَنا به، أي: لكِن قد أمَرَني عُمَرُ بإحراقِ البابِ، فلا بُدَّ مِن ذلك.

فأحرَقَ البابَ، أي: أحرَقَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ بابَ قَصرِ سَعدٍ، ثُمَّ أقبَل يَعرِضُ عليه أن يُزَوِّدَه فأبى، أي: عَرَضَ سَعدٌ على مُحَمَّدِ بنِ مَسلَمةَ مالًا يَكونُ له عَونًا على قَطعِ الطَّريقِ إلى المَدينةِ، فامتَنَعَ مُحَمَّدٌ مِن قَبولِ المالِ.

فخَرَجَ فقَدِمَ على عُمَرَ، أي: خَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ مِنَ الكوفةِ راجِعًا إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في المَدينةِ، فهَجَّرَ إليه.

التَّهجيرُ: التَّبكيرُ، أي: بَكَّرَ وأسرَع مُحَمَّدٌ الرُّجوعَ إلى عُمَرَ، فسارَ ذَهابَه ورُجوعَه تِسعَ عَشرةَ، أي: عَجِل بالرُّجوعِ مَعَ طولِ المَسافةِ بَينَ المَدينةِ والكوفةِ فقَطَعَها في تِسعَ عَشرةَ ليلةً ذَهابًا وإيابًا، فقال له عُمَرُ: لولا حُسنُ الظَّنِّ بك لرَأينا أنَّك لم تُؤَدِّ عنَّا، أي: لولا أنَّنا نُحسِنُ الظَّنَّ فيك لكُنَّا ظَنَنَّا أنَّك لم تُبَلِّغْ ما أمَرناك به؛ وذلك لسُرعةِ ذَهابِ مُحَمَّدٍ ومَجيئِه.

فقال مُحَمَّدٌ: بَلى، أي: قد أدَّينا عنك رِسالتَك يا أميرَ المُؤمِنينَ، أرسَل يَقرَأُ السَّلامَ، ويَعتَذِرُ، ويَحلفُ باللهِ ما قاله، أي: أخبَرَ مُحَمَّدٌ برِسالةِ سَعدٍ، وأنَّه بَعَث بالسَّلامِ والتَّحيَّةِ على عُمَرَ، وأنَّه يَعتَذِرُ عَمَّا حَصَل مِنه، وأقسَمَ أنَّه لم يَقُلْ ما نُقِل عنه مِنَ الكَلامِ المَنسوبِ إليه.

فقال عُمَرُ لمُحَمَّدِ بنِ مَسلَمةَ: فهَل زَوَّدَك شَيئًا؟ أي: هَل أعطاك سَعدٌ مالًا تَستَعينُ به على سَفَرِك.

فقال مُحَمَّدٌ: لا، أي: امتَنَعتُ مِن قَبولِه.

ثُمَّ قال مُحَمَّدٌ لعُمَرَ: فما مَنَعَك أن تُزَوِّدَني أنتَ؟ أي: لماذا لم تُزَوِّدْني أنتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ.

فقال عُمَرُ: إنِّي كَرِهتُ أن آمُرَ لك، أي: بالزَّادِ، فيَكونَ لك البارِدُ، أي: غُنْمُه، ويَكونَ لي الحارُّ، أي: إثمُه! وحَولي أهلُ المَدينةِ قد قَتَلهمُ الجوعُ، أي: كَرِهَ عُمَرُ أن يُزَوِّدَ مُحَمَّدَ بنَ مَسلَمةَ بشَيءٍ مِنَ المالِ يَستَعينُ به على مواصَلةِ السَّعيِ إلى سَعدٍ بالكوفةِ، وأهلُ المَدينةِ جياعٌ؛ فيَكونَ عليه الإثمُ، ولمُحَمَّدِ بنِ مَسلَمةَ الغُنْمُ.

وقد سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: لا يَشبَعُ الرَّجُلُ دونَ جارِه، أي: لا يَنبَغي لرَجُلٍ أن يَشبَعَ مِنَ الطَّعامِ وجارُه جائِعٌ لا يَجِدُ ما يَأكُلُه.

وفي الحَديثِ أنَّ على الإمامِ ألَّا يَحتَجِبَ عنِ الرَّعيَّةِ.

وفيه تَفقُّدُ الإمامِ لنوَّابِه وعُمَّالِه ومُتابَعَتُهم.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّعزيرِ بالتَّحريقِ.

وفيه مَشروعيَّةُ مُعاقَبةِ الإمامِ أحَدَ نوَّابِه.

وفيه النَّهيُ عن أن يَشبَعَ الرَّجُلُ وجارُه جائِعٌ.

وفيه ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ الحِرصِ على المُسلمينَ والنَّظَرِ في شُؤونِهم .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (1/ 448) 390- حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، قال: بلغ عمر أن سعدا لما بنى القصر، قال: انقطع الصويت، فبعث إليه محمد بن مسلمة، فلما قدم أخرج زنده، وأورى ناره، وابتاع حطبا بدرهم، وقيل لسعد: إن رجلا فعل كذا وكذا.

فقال: ذاك محمد بن مسلمة.

فخرج إليه فحلف بالله ما قاله، فقال: نؤدي عنك الذي تقوله، ونفعل ما أمرنا به.

فأحرق الباب، ثم أقبل يعرض عليه أن يزوده فأبى، فخرج فقدم على عمر، فهجر إليه، فسار ذهابه ورجوعه تسع عشرة، فقال: لولا حسن الظن بك لرأينا أنك لم تؤد عنا.

قال: بلى، أرسل يقرأ السلام، ويعتذر، ويحلف بالله ما قاله.

قال: فهل زودك شيئا؟ قال: لا، قال: فما منعك أن تزودني أنت؟ قال: إني كرهت أن آمر لك فيكون لك البارد، ويكون لي الحار، وحولي أهل المدينة قد قتلهم الجوع، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يشبع الرجل دون جاره))

الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 179) 513- أخبركم أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق قالا: أخبرنا يحيى قال: حدثنا الحسين قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة بن رافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعدا اتخذ قصرا، وجعل عليه بابا، وقال: انقطع الصويت، فأرسل عمر محمد بن مسلمة، وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعثه، فقال له: ائت سعدا؛ فأحرق عليه بابه، فقدم الكوفة، فلما أتى الباب أخرج زنده، فاستورى نارا، ثم أحرق الباب، فأتي سعد، فأخبر، ووصف له صفته، فعرفه، فخرج إليه سعد، فقال محمد: إنه بلغ أمير المؤمنين أنك قلت: انقطع الصويت، فحلف سعد بالله ما قال ذلك، فقال محمد بن مسلمة: نفعل الذي أمرنا، ونؤدي عنك ما تقول، ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن الرمة أصابه من الخمص والجوع ما الله به أعلم، فأبصر غنما فأرسل غلامه بعمامته، فقال: اذهب فابتع منها شاة، فجاء الغلام بشاة وهو يصلي، فأراد ذبحها، فأشار إليه أن يكف، فلما قضى صلاته، قال: اذهب، فإن كانت مملوكة مسلمة، فاردد الشاة، وخذ العمامة، وإن كانت حرة فاردد الشاة، فذهب، فإذا هي مملوكة فرد الشاة، وأخذ العمامة، وأخذ بخطام راحلته- أو زمامها- لا يمر ببقلة إلا خطفها، حتى آواه الليل إلى قوم، فأتوه بخبز ولبن، وقالوا: لو كان عندنا شيء أفضل من هذا أتيناك به، فقال: بسم الله كل حلال أذهب السغب خير من مأكل السوء، حتى قدم المدينة، فبدأ بأهله فابترد من الماء، ثم راح، فلما أبصره عمر، قال: لولا حسن الظن بك ما روينا أنك أديت، وذكر أنه أسرع السير، فقال: قد فعلت، وهو يعتذر، ويحلف بالله ما قال ذلك، قال: فقال عمر: هل أمر لك بشيء؟ فقال: قد رأيت مكانا، أتأمر لي؟- قال ابن عيينة: أن تأخذ لي منه- قال عمر: إن أرض العراق أرض رفيعة، وإن أهل المدينة يموتون حولي من الجوع، فخشيت أن آمر لك؛ فيكون لك البارد ولي الحار، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: ((لا يشبع المؤمن دون جاره))، أو قال: ((الرجل دون جاره)).

المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 185) 7308- أخبرناه أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، قال: بلغ عمر أن سعدا لما بنى القصر قال: انقطع الصوت فبعث إليه محمد بن مسلمة- الحديث وقال في آخره- قال عمر رضي الله عنه: إني كرهت أن آمر لك فيكون لك البارد ولي الحار وحولي أهل المدينة قد قتلهم الجوع، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يشبع الرجل دون جاره))

أحاديث ذات صلة