بَينا نحن قُعودٌ على شَرابٍ لنا، على رَملةَ، ونحن ثَلاثةٌ أو أربَعةٌ، وعِندَنا باطيةٌ لنا، ونحن نَشرَبُ الخَمرَ حِلًّا، إذْ قُمتُ حتى آتيَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأُسلِمَ عليه، إذْ نَزَلَ تَحريمُ الخَمرِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90]، إلى آخِرِ الآيةِ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]، فجِئتُ إلى أصحابي فقَرَأتُها إلى قَولِه: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]، قال: وبَعضُ القَومِ شَرْبَتُه في يَدِه، قد شَرِبَ بَعضَها وبَقيَ بَعضٌ في الإناءِ، فقال بالإناءِ تَحتَ شَفَتِه العُليا، كما يَفعَلُ الحَجَّامُ، ثم صَبُّوا ما في باطيَتِهم، فقالوا: انتَهَيْنا رَبَّنا.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# تفسير آيات - سورة المائدة# أشربة - ما يحرم من الأشربة# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# أطعمة - تحريم الخمر
المصدر: عمدة التفسير
الراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي
المحدث: أحمد شاكر
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (8/ 661) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

جِيلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أفضَلُ الأجيالِ في هذه الأُمَّةِ؛ وذلك لصُحبَتِهمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقوَّةِ إيمانِهم وسُرعةِ استِجابَتِهم لأمرِ اللهِ وأمرِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكانوا إذا سَمِعوا آيةً أو بَلَغَهم حُكمٌ شَرعيٌّ سُرعانَ ما يَستَجيبونَ لذلك ويَمتَثِلونَ، وفي هذا الحَديثِ نَموذَجٌ مِن نَماذِجِ سُرعةِ استِجابَتِهم للهِ ورَسولِه.

فيُخبرُ بُرَيدةُ بنُ الحُصَيبِ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: بَينا نَحنُ قُعودٌ على شَرابٍ لنا، أي: كُنَّا جَماعةً مِنَ الصَّحابةِ جُلوسًا في مَكانٍ نَشرَبُ الخَمرَ، وذلك قَبلَ نُزولِ تَحريمِ الخَمرِ، على رَملةٍ.

الرَّملُ: فُتاتُ الصَّخرِ والقِطعةُ مِنه رَملةٌ، أي: أنَّهم كانوا جالسينَ على قِطَعِ الصُّخورِ هذه، ونَحنُ ثَلاثةٌ أو أربَعةٌ، أي: كان عَدَدُنا مِن ثَلاثةٍ إلى أربَعةٍ، وعِندَنا باطيةٌ لنا، وهيَ إناءٌ مِنَ الزُّجاجِ عَظيمٌ، تُملأُ مِنَ الشَّرابِ، وتُوضَعُ بَينَ القَومِ يَغرِفونَ مِنها ويَشرَبونَ، ونَحنُ نَشرَبُ الخَمرَ حِلًّا، أي: قَبلَ أن يَنزِلَ تَحريمُه، إذ قُمتُ حتَّى آتيَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسَلِّمُ عليه، أي: خَرَجتُ مِن عِندِ القَومِ حتَّى أذهَبَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسَلِّمَ عليه، إذ نَزَل تَحريمُ الخَمرِ، أي: فنَزَل تَحريمُ الخَمرِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90-91] ، يَقولُ بُرَيدةُ: فجِئتُ إلى أصحابي، أي: الذينَ كُنتُ عِندَهم وهم يَشرَبونَ الخَمرَ، فقَرَأتُ آياتِ تَحريمِ الخَمرِ عليهم حتَّى بَلغتُ إلى قَولِه: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.

وبَعضُ القَومِ شَربَتُه في يَدِه، أي: شَرابُه للخَمرِ في يَدِه، قد شَرِبَ بَعضَها وبَقيَ بَعضٌ في الإناءِ، أي: لم يَشرَبْها كامِلةً، فقال بالإناءِ، أي: أماله ثُمَّ نَزَعَه، تَحتَ شَفتِه العُليا، أي: أبعَدَ الإناءَ عن فمِه مُباشَرةً، ولم يُكمِلِ الشَّرابَ، كَما يَفعَلُ الحَجَّامُ، أي: مِثلَ فِعلِ الحَجَّامِ، وهو الذي يَمَصُّ الدَّمَ مِنَ المَحجومِ بفَمِه، ثُمَّ يَتفِلُه في الأرضِ.

والمَعنى: أنَّهم ألقَوا ما في أيديهم مِنَ الشَّرابِ، وكذلك ما في فَمِهم مِنه، ثُمَّ صَبُّوا ما في باطِيَتِهم، أي: أراقوا الخَمرَ مِن تلك الباطيةِ الكَبيرةِ المملؤةِ بالخَمرِ، فقالوا: انتَهَينا رَبَّنا، أي: نَعَم، استَجَبنا يا رَبِّ وأقلَعْنا عنِ الخَمرِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ فَضلِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم وسُرعةِ استِجابَتِهم لأمرِ اللهِ ورَسولِه.

وفيه بَيانُ نُزولِ آيةِ تَحريمِ الخَمرِ .

الأصول والأحكام

تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (8/ 661) حدثنا محمد بن خلف، قال: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، عن أبي تميلة، عن سلام، مولى حفص بن أبي قيس، عن [ابن] بريدة، عن أبيه ، قال: " بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] إلى آخر الآيتين: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] .

قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا ".

أحاديث ذات صلة