غدَا أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم ذاتَ يومٍ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْنا وربِّ الكعبةِ! فقال: وما ذاكَ؟ قالوا: النِّفاقَ النِّفاقَ، قال: أَلَستُمْ تَشهَدون أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النِّفاقَ.

قال: ثمَّ عادوا الثَّانيةَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْنا وربِّ الكعبةِ! قال: وما ذاكَ؟ قالوا: النِّفاقَ النِّفاقَ، قال: أَلَستُمْ تَشهَدون أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النِّفاقَ.

قال: ثمَّ عادوا الثَّالثةَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْنا وربِّ الكعبةِ! فقال: وما ذاكَ؟ قالوا: النِّفاقَ النِّفاقَ، قال: أَلَستُمْ تَشهَدون أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النِّفاقَ.

قالوا: إنَّا إذا كُنَّا عندَكَ كُنَّا على حالٍ، وإذا خَرَجْنا مِن عندِكَ همَّتْنا الدُّنيا وأَهْلونا.

قال: لو أنَّكم إذا خرَجْتُمْ مِن عندي تكونون على الحالِ الَّذي تكونون عليه، لصافَحَتْكُمُ الملائكةُ بطُرُقِ المدينةِ.

الدلالات الموضوعية:# إيمان - الملائكة# إيمان - زيادة الإيمان# إيمان - تفاضل أهل الإيمان# إسلام - فضل الشهادتين# إيمان - النفاق
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أبو يعلى (3304)، والإسماعيلي في ((المعجم)) (1/418)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (1762) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

النِّفاقُ مِن أخطَرِ أنواعِ الذُّنوبِ وأشَدِّها عُقوبةً في الآخِرةِ، ولم يَتَوعَّدِ اللَّهُ أحَدًا مِثلَما تَوعَّدَ المُنافِقينَ؛ وذلك لشِدَّةِ جُرمِهم وخَطَرِهم، وحَقيقَتُه إظهارُ الإسلامِ وحُبِّ الدِّينِ، وإبطانُ الكُفرِ والبُغضِ للدِّينِ، وقد كان الصَّحابةُ يَخافونَ على أنفُسِهم مِنَ النِّفاقِ أشَدَّ الخَوفِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: غَدا أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ، أي: ذَهَبوا في أحَدِ الأيَّامِ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا له: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكنا ورَبِّ الكَعبةِ! أي: وقَعنا فيما يَستَوجِبُ الهَلاكَ والعُقوبةَ، وأكَّدوا على ذلك بالحَلِفِ، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وما ذاكَ؟ أي: ما سَبَبُ هَلاكِكُم أو ما الذي أوقَعَكُم في الهَلاكِ؟ فقالوا: النِّفاقُ النِّفاقُ! أي: نَخشى على أنفُسِنا مِنَ النِّفاقِ، بحَيثُ يَكونُ ظاهِرُنا غَيرَ باطِنِنا، فنَكونُ عِندَك على حالٍ، وإذا خَرَجنا مِن عِندِك كُنَّا على حالٍ أُخرى! فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألستُم تَشهَدونَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه؟ أي: هَل أنتُم مُقِرُّونَ ومُعتَرِفونَ ومُصَدِّقونَ بتَوحيدِ اللهِ تعالى واستِحقاقِه للأُلوهيَّةِ والعُبوديَّةِ، وغَيرُ مُشرِكينَ به، وأنِّي عَبدُ اللهِ ورَسولُه أرسَلني إليكُم فصَدَّقتُم بي وآمَنتُم واتَّبَعتُم؟ فقالوا: بَلى، أي: أجَلْ، نَحنُ مُقِرُّونَ بذلك.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليسَ ذاكَ النِّفاقَ، أي: فمَن كان مُقِرًّا باللهِ تعالى وأنِّي رَسولُه فهذا ليسَ بنِفاقٍ، وإنَّما هو إيمانٌ، وإنَّما النِّفاقُ أن يُظهِرَ الإيمانَ وأنَّه مُؤمِنٌ باللهِ وبرَسولِه، ويُبطِنَ الكُفرَ والتَّكذيبَ.

ثُمَّ عادوا الثَّانيةَ، أي: رَجَعَ الصَّحابةُ مَرَّةً أُخرى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكْنا ورَبِّ الكَعبةِ! فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وما ذاكَ؟ فقال الصَّحابةُ: النِّفاقُ النِّفاقُ، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألستُم تَشهَدونَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه؟ فقال الصَّحابةُ: بَلى.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليسَ ذاكَ النِّفاقَ.

ثُمَّ عادوا الثَّالثةَ، أي: رَجَعَ الصَّحابةُ مَرَّةً ثالثةً إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكنا ورَبِّ الكَعبةِ! فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وما ذاكَ؟ فقال الصَّحابةُ: النِّفاقُ النِّفاقُ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألستُم تَشهَدونَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه؟ فقال الصَّحابةُ: بَلى.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليسَ ذاكَ النِّفاقَ.

فعِندَ ذلك قال الصَّحابةُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا إذا كُنَّا عِندَك، أي: في مَجلسِك وحَدَّثتَنا، كُنَّا على حالٍ، أي: في غايةِ الحُضورِ والخَوفِ مِنَ اللهِ وصَفاءِ القَلبِ والتَّعَلُّقِ بالآخِرةِ والزُّهدِ في الدُّنيا والرَّغبةِ فيما عِندَ اللهِ، وإذا خَرَجنا مِن عِندِك، أي: انصَرَفنا مِن مَجلسِك، همَّتنا الدُّنيا وأهلونا، أي: شَغَلَتنا الدُّنيا والأهلُ والأولادُ وأقبَلنا عليهم وتَرَكنا أمرَ الآخِرةِ، فكُنَّا على غَيرِ الحالِ التي كُنَّا عِندَك، وهذا الفِعلُ كفِعلِ المُنافِقينَ، والمَقصودُ: أنَّ الصَّحابةَ لشِدَّةِ خَوفِهم مِنَ النِّفاقِ كانوا يَظُنُّونَ أنَّ الاستِرسالَ في أُمورِ الدُّنيا في بَعضِ الأحيانِ مِنَ النِّفاقِ.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو أنَّكُم إذا خَرَجتُم مِن عِندي تكونونَ على الحالِ الذي تَكونونَ عليه، لصافحَتكُمُ المَلائِكةُ بطُرُقِ المَدينةِ، أي: لوِ استَمَرَّ حالُكُم بَعدَ خُروجِكُم مِن مَجلسي كَما كان حالُكُم وأنتُم عِندي مِن كَمالِ الإيمانِ واليَقينِ لسَلَّمَت عليكُمُ المَلائِكةُ وصافحَتكُم باليَدِ إكرامًا لكُم، وتَعظيمًا وتَوقيرًا وتَبجيلًا وأنتُم تَمشونَ في طُرُقِ المَدينةِ.

والمَقصودُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَمَهم بأنَّ الحالَ مِنهم لا تَقتَضي بَقاءَهم على وتيرةٍ واحِدةٍ، وأنَّ اختِلافَ حالِهم عِندَه عَن حالِهم إذا خَرَجوا مِن عِندِه ليسَ بنِفاقٍ، وأعلَمَهم أنَّ الحالَ التي وجَدوها مِن أنفُسِهم عِندَه لو كانوا مُلازِمينَ لها في جَميعِ الأوقاتِ لبادَرَتِ المَلائِكةُ إلى إكرامِهم ومُشافهَتِهم، وإعظامِهم ومُصافحَتِهم.

وفي الحَديثِ بَيانُ شِدَّةِ خَوفِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عليهم مِنَ النِّفاقِ.

وفيه مَشروعيَّةُ شَكوى الأتباعِ للعالمِ ما يَجِدونَه مِن نَقصٍ أو تَقصيرٍ في إيمانِهم أو عِبادَتِهم.

وفيه مَشروعيَّةُ الحَلِفِ بقَولِ: ورَبِّ الكَعبةِ.

وفيه بَيانُ مَنزِلةِ الشَّهادَتَينِ.

وفيه أنَّ مَن أقَرَّ بالشَّهادَتَينِ وصَدَّقَ بهما نَجا مِنَ النِّفاقِ.

وفيه بَيانُ ما لمُجالسةِ الصَّالحينَ وأهلِ الفَضلِ مِنَ التَّأثيرِ على الشَّخصِ.

وفيه أنَّ الإنسانَ طُبِعَ على حُبِّه وانشِغالِه بالأهلِ والدُّنيا، وأنَّ ذلك ليسَ بنِفاقٍ .

الأصول والأحكام

مسند أبي يعلى (6/ 58 ت حسين أسد) :

3304 - حدثنا عبد الواحد، حدثنا غسان بن برزين يعني الطهوي، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ، قال: غدا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة.

فقال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق، النفاق.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى.

قال: ليس ذاك النفاق.

قال: ثم عادوا الثانية فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة.

قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى.

قال: ليس ذاك النفاق.

قال: ثم عادوا الثالثة فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة، قال: وما ذاك؟.

قالوا: النفاق.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟.

قالوا: بلى.

قال: ليس ذاك النفاق.

قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا.

قال: لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على الحال الذي تكونون عليه، لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة.

[معجم أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي] (1/ 418) :

حدثنا محمد بن هارون بن داهر، حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا غسان بن برزين الطهوي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ، قال: غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، ‌هلكنا ‌ورب الكعبة.

قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: بلى.

قال: ليس ذلك النفاق.

ثم عاودوه الثانية، فقالوا: يا رسول الله، ‌هلكنا ‌ورب الكعبة.

قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: بلى.

قال: ليس ذلك بنفاق.

ثم عاودوه الثالثة، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم: ليس ذلك بنفاق.

فقالوا: يا رسول الله، إنا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على مثل الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في طرق المدينة.

[الأحاديث المختارة] (5/ 138) :

‌1762 - أخبرنا أبو المجد زاهر بن أحمد - بأصبهان - أن الحسين بن عبد الملك أخبرهم، أبنا إبراهيم بن منصور، أبنا أبو بكر بن المقرئ أنا أبو يعلى الموصلي، نا عبد الواحد - هو ابن غياث - نا غسان بن برزين يعني الطهوي، نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ، قال: غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة، فقال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النفاق، قال: ثم أعادوا الثانية، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة، قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النفاق، قال: ثم عادوا الثالثة، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة، قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى، قال: ليس ذاك النفاق.

قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حال، فإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا.

قال: لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على الحال التي تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة.

غسان: وثقه يحيى بن معين.

وقد روى جعفر بن سليمان، عن ثابت شيئا منه.

وروي في مسلم شيء من هذا من حديث حنظلة الكاتب.

أحاديث ذات صلة