- حجَجتُ أنا وسِنانُ بنُ سلَمةَ، ومعَ سِنانٍ بدَنةٌ فأزحَفَتْ عليهِ فعَيَّ بشأنِها فقُلتُ : لئن قَدِمتُ مكَّةَ لأستبحِثنَّ عَن هذا قالَ فلمَّا قَدِمنا مكَّةَ انطلقَ بنا إلى ابنِ عبَّاسٍ فدخَلنا عليهِ وعندَهُ جاريةٌ وكانَ لي حاجتانِ ولِصاحبي حاجةٌ فقالَ ألا أُخليكَ قلتُ لا فقُلتُ كانَت معي بدَنةٌ فأزحَفَت علَينا فقلتُ لئن قدِمنا مكَّةَ لأستبحِثَنَّ عَن هذا فقالَ ابنُ عبَّاسٍ بعثَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ بالبُدنِ معَ فلانٍ وأمرَهُ فيها بأمرِهِ فلمَّا قفَّا رجعَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ ما أصنعُ بما أزحفَ عليَّ منها فقالَ انحَرها واصبُغْ نعلَها في دمِها واضرِبهُ علَى صَفحتِها ولا تأكُل مِنها أنتَ ولا أحدٌ مِن رُفقتِكَ قالَ فقُلتُ لَه أكونُ في هذهِ المغازي فأغنَمُ فأُعتِقُ عن أمِّي أفيُجزئُ عنها أن أُعتِقَ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ أمَرَتِ امرأةٌ سنانَ بنَ عبدِ اللَّهِ الجُهَنيَّ أن يسألَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن أُمِّها توفِّيَت ولم تحجَّ أيُجزئُ عنها أن تحجَّ عنها فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ أرأيتَ لَو كانَ علَى أُمِّها دَينٌ فقَضتهُ عَنها أكانَ يُجزئُ عن أُمِّها قالَ نعَم قالَ فلتَحُجَّ عن أُمِّها وسألَهُ عن ماءِ البحرِ فقالَ ماءُ البحرِ طَهورٌ

الدلالات الموضوعية:# علم - السؤال للانتفاع وإن كثر# وصايا - ولي الميت يقضي دينه إذا علم صحته وإن لم يوص الميت# حج - حج الرجل عن غيره# طهارة - ماء البحر# حج - الهدي إذا عطب
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح على شرط مسلم

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (1763) مختصراً، وأحمد (2518) واللفظ له

الشرح والتوضيح

الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ، شَرَعَها اللهُ تعالى لحِكَمٍ عَظيمةٍ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بَيانًا كامِلًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، وإذا ذَهَبَ الحاجُّ للحَجِّ ومَعَه هَديٌ -وهو ما يَأخُذُه الحاجُّ مَعَه مِن بَهيمةِ الأنعامِ- فإنَّه لا يَحِلُّ له أن يَذبَحَه أو يَأكُلَ مِنه حتَّى يَصِلَ إلى مَكَّةَ ويَنتَهيَ مِن نُسُكِه، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ ما يُفعَلُ بالهَدْيِ إذا تَلِف أو كادَ يَموتُ قَبلَ أن يَصِلَ به المُحرِمُ إلى مَكَّةَ.

فيَقولُ موسى بنُ سَلَمةَ الهُذَليُّ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ-: إنَّه خَرَجَ في سَفَرٍ للحَجِّ هو وأخوه سِنانُ بنُ سَلمةَ، وكان مَعَ سِنانٍ بَدَنةٌ.

والبُدْنُ: تُطلَقُ على الإبِلِ والبَقَرِ التي تُساقُ لتُهدى لبَيتِ اللهِ الحَرامِ، أي: سافرَ ومَعَه هذه البَدَنةُ يَسوقُها مَعَه، فأزحَفَت عليه، أي: وقَفَت بدَنَتُه مِنَ الإعياءِ والتَّعَبِ وعَجَزَت ولم تَستَطِعْ مواصَلةَ السَّيرِ.

فعَييَ بشَأنِها.

مِنَ الإعياءِ وهو العَجزُ، ومَعناه: عَجَز عَن مَعرِفةِ حُكمِها لو تَلِفَت في الطَّريقِ كَيف يَعمَلُ بها.

فقال موسى بنُ سَلَمةَ: لئِن قَدِمتُ مَكَّةَ لأستبحِثَنَّ عَن هذا، أي: لأسألَنَّ عَن حُكمِ هذه المَسألةِ.

يَقولُ موسى: لمَّا قَدِمنا مَكَّةَ، أي: وصَلنا إلى مَكَّةَ، قُلتُ لسِنانٍ: انطَلِقْ بنا إلى ابنِ عَبَّاسٍ، أي: تَعالَ نَذهَبْ إلى ابنِ عَبَّاسٍ حتَّى نَسألَه، فذَهَبوا ودَخَلوا على ابنِ عَبَّاسٍ، وكان عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ جاريةٌ، وكان لي حاجتانِ، أي: كان لموسى مَسألتانِ، ولصاحِبي حاجةٌ، أي: لسِنانٍ مَسألةٌ واحِدةٌ.

فقال ابنُ عَبَّاسٍ لموسى بنِ سَلمةَ: ألَا أُخلِيَك.

مِنَ الخَلوةِ، أي: ألَا أجعَلُك خاليًا مَعي تَذكُرُ حاجَتَك على انفِرادٍ.

فقال موسى: لا، أي: لا داعيَ لذلك، بَل نَكونُ مَعًا.

فسَأل موسى ابنَ عَبَّاسٍ، فقال: كانت مَعي بَدَنةٌ، فأزحَفَت علينا، فقُلتُ: لئِن قَدِمنا مَكَّةَ لأستبحِثَنَّ عَن هذا.

فقال ابنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَ، أي: أرسَل، رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبُدْنِ مَعَ فُلانٍ، أي: أحَدِ الصَّحابةِ ساقَها لمَكَّةَ، وأمرَه فيها بأمرِه، أي: جَعَله أميرًا فيها ليَنحَرَها بمَكَّةَ بأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فلمَّا قَفا، أي: أدبَرَ وذَهَبَ مولِّيًا، وكَأنَّه مِنَ القَفا، أي: أعطاه قَفاه وظَهرَه خارِجًا مِن عِندِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، رَجَعَ، أي: كَأنَّه ذَكَرَ شَيئًا فرَجَعَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، ما أصنَعُ بما أزحَفَ عَلَيَّ مِنها؟ أي: إذا سُقتُها مَعي فحَصَل لبَعضِها الإعياءُ والتَّعَبُ ولم تَستَطِعْ مُواصَلةَ السَّيرِ حتَّى تَبلُغَ مَحِلَّ ذَبحِها، فماذا أفعَلُ بها؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انحَرْها، أي: اذبَحْها في المَكانِ الذي سَتَترُكُها فيه، واصبغْ، أي: اغمِسْ، نَعلَها في دَمِها، أي: النَّعلَ المُقَلَّدةَ به في رَقَبَتِها، اغمِسْه في دَمِها، والمُرادُ النَّعلُ المُعَلَّقةُ بعُنُقِها، وذلك أنَّ الهَديَ يُقَلَّدُ في عُنُقِه نَعلٌ حتَّى يُعرَفَ أنَّه هَديٌ، واضرِبْه على صَفحَتِها، أي: على جانِبِ سَنامِ البُدْنِ؛ لكَي يَعرِفَها مَن يَمُرُّ بها مِمَّن جاءَ بَعدَه يَنظُرُ إليها، ويَعرِفُ أنَّها هَدْيٌ، وقد عَطِبَ، فيَأكُلُ مِنها دونَ حَرَجٍ، فلا يَحسَبُها مَيتةً؛ وذلك أنَّ الطُّرُقَ التي يَسلُكُها الحَجيجُ في أسفارِهم كانت مَعروفةً لدى غَيرِهم، وأيضًا فالعادةُ الغالبةُ أنَّ ساكِني الصَّحراءِ البَدوَ وغَيرَهم يَتَتَبَّعونَ مَنازِلَ الحَجيجِ لالتِقاطِ ما خَلَّفوه في أماكِنِ راحَتِهم.

ولا تَأكُلْ مِنها، أي: مِن هذا الهَديِ، أنتَ ولا أحَدٌ مِن رُفقَتِك، أي: صُحبَتِك المُسافِرينَ مَعَك، وفي هذا قَطعُ الذَّريعةِ؛ لئَلَّا يَتَوصَّلَ بَعضُ النَّاسِ إلى ذَبحِ الهَدْيِ أو تَعييبِه قَبلَ أوانِه.

ثُمَّ سَأل موسى بنُ سَلَمةَ ابنَ عَبَّاسٍ سُؤالًا آخَرَ، فقال: إنِّي أكونُ في هذه المَغازي، أي: أُشارِكُ وأخرجُ في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، فأغنَمُ، أي: فأحصُلُ على بَعضِ الغَنائِمِ مِنَ العَدوِّ مِن عَبيدٍ وغَيرِ ذلك، فأُعتِقُ عَن أُمِّي، أي: أُعتِقُ بَعضَ الرَّقيقِ الذينَ تَحَصَّلَت عليهم مِنَ الغَنائِمِ وأجعَلُ ذلك صَدَقةً عَن أُمِّي، أفيُجزِئُ عَنها أن أُعتِقَ، أي: فهَل يَصِحُّ ذلك، وهَل يَصِلُ أُمِّي ثَوابُ ذلك؟ فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: أمَرَت امرَأةُ سِنانِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الجُهَنيِّ أن يَسألَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّ امرَأةً مِنَ الصَّحابيَّاتِ أمَرَت سِنانَ بنَ عَبدِ اللَّهِ أن يَسألَ لها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أُمِّها توُفِّيَت ولم تَحُجَّ، أي: أدرَكَها الحَجُّ ولكِنَّها ماتَت ولم تَحُجَّ، أيُجزِئُ عَنها أن تَحُجَّ عَنها؟ أي: فهَل يَصِحُّ ويَنفَعُها إذا حَجَّت عَن أُمِّها ويَسقُطُ عَنها الحَجُّ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرَأيتَ لو كان على أُمِّها دَينٌ فقَضَته عَنها أكان يُجزِئُ عَن أُمِّها؟ أي: لو كان على أُمِّ هذه المَرأةِ دَينٌ لأحَدٍ ثُمَّ ماتَتِ الأُمُّ فقامَتِ البنتُ بقَضاءِ الدَّينِ عَن أُمِّها، فهَل تَبرَأُ ذِمَّةُ أُمِّها مِنَ الدَّينِ؟ فقال سِنانُ بنُ عَبدِ اللَّهِ: نَعَم، أي: تَبرَأُ ذِمَّةُ أُمِّها مِنَ الدَّينِ.

فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فلتَحُجَّ عَن أُمِّها، أي: فكذلك إذا حَجَّت عَن أُمِّها فإنَّه تَبرَأُ ذِمَّةُ أُمِّها ويَصِلُها ثَوابُ الحَجِّ.

وسَأله عَن ماءِ البَحرِ.

القائِلُ: وسَأله، هو موسى بنُ سَلمةَ راوي الحَديثِ، والسَّائِلُ هو أخوه سِنانُ بنُ سَلَمةَ صاحِبُ البَدَنةِ، وهذا السُّؤالُ هو حاجةُ أخيه التي أبهَمَها في قَولِه: وكان لي حاجتانِ، ولصاحبي حاجةٌ؛ فأمَّا حاجتا موسى فهيَ السُّؤالُ عَنِ البَدَنةِ التي تَعِبَت عَنِ السَّيرِ، وعَنِ العِتقِ عَنِ المَيِّتِ، وأمَّا حاجةُ أخيه سِنانٍ فهيَ عَن ماءِ البَحرِ، أي: هَل يَصِحُّ التَّطَهُّرُ به واستِعمالُه، وكأنَّ السَّائِلَ لمَّا رَأى ماءَ البَحرِ خالف المياهَ بمُلوحةِ طَعمِه ونَتنِ ريحِه تَوهَّمَ أنَّه غَيرُ طاهِرٍ.

فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: ماءُ البَحرِ طَهورٌ، أي: ماءُ البَحرِ طاهِرٌ مُطَهِّرٌ، لا يَخرُجُ عَنِ الطُّهوريَّةِ بحالٍ، فيَصِحُّ التَّطَهُّرُ به في الوُضوءِ والغُسلِ وإزالةِ النَّجاسةِ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ سَوقِ الهَديِ في سَفَرِ الحَجِّ.

وفيه الرُّجوعُ إلى أهلِ العِلمِ وسُؤالُهم عَمَّا يَقَعُ للشَّخصِ مِنَ المَسائِلِ المُشكِلةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ بَعثِ الهَدايا إلى مَكَّةَ، والتَّوكيلِ إن لم يَذهَبْ بنَفسِه.

وفيه بَيانُ ما يُفعَلُ بالهَدْيِ إذا تَعِبَ أو كادَ يَهلِكُ.

وفيه أنَّ المُحرِمَ لا يَأكُلُ مِن هَديِه الذي ساقَه مَعَه إذا تَلِف عليه ولا أحَدٌ مِن رُفقَتِه.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّصَدُّقِ عَنِ المَيِّتِ وأنَّ ثَوابَ الصَّدَقةِ يَصِلُه.

وفيه مَشروعيَّةُ الحَجِّ عَنِ المَيِّتِ، وأنَّ ذلك يُجزِئُ عَنه.

وفيه بَيانُ أنَّ ماءَ البَحرِ طَهورٌ.

وفيه مَشروعيَّةُ القياسِ .

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (1/ 547) 1763- حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا ثنا حماد ح وثنا مسدد ثنا عبد الوارث وهذا حديث مسدد عن أبي التياح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس قال

: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانا الأسلمي وبعث معه بثمان عشرة بدنة فقال أرأيت إن أزحف علي منها شىء؟ قال (( تنحرها ثم تصبغ نعلها في دمها ثم اضربها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك)) أو قال (( من أهل رفقتك))

[ قال أبو داود الذي تفرد به من هذا الحديث قوله (( ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ] وقال في حديث عبد الوارث)) ثم اجعله على صفحتها (( مكان)) اضربها ((

قال أبو داود [ سمعت أبا سلمة يقول إذا أقمت الإسناد والمعنى كفاك ].

[مسند أحمد] (4/ 314) 2518- حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التياح، عن موسى بن سلمة ، قال: حججت أنا وسنان بن سلمة، ومع سنان بدنة، فأزحفت عليه، فعيي بشأنها، فقلت: لئن قدمت مكة لأستبحثن عن هذا، قال: فلما قدمنا مكة، قلت: انطلق بنا إلى ابن عباس، فدخلنا عليه، وعنده جارية، وكان لي حاجتان، ولصاحبي حاجة، فقال: ألا أخليك؟ قلت: لا، فقلت: كانت معي بدنة فأزحفت علينا، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستبحثن عن هذا، فقال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالبدن مع فلان، وأمره فيها بأمره، فلما قفا رجع، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بما أزحف علي منها؟ قال: (( انحرها واصبغ نعلها في دمها، واضربه على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك)) قال: فقلت له: أكون في هذه المغازي، فأغنم فأعتق عن أمي، أفيجزئ عنها أن أعتق؟ فقال ابن عباس: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أمها توفيت ولم تحجج، أيجزئ عنها أن تحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أرأيت لو كان على أمها دين، فقضته عنها، أكان يجزئ عن أمها؟)) قال: نعم، قال: (( فلتحجج عن أمها))

أحاديث ذات صلة