- لما تُوُفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان رجُلٌ يَلحَدُ ورجُلٌ يَضرَحُ ، فقالوا: نَستَخيرُ ربَّنا عزَّ وجلَّ ونُرسِلُ إليهما، فأَيُّهما سبَق ترَكْناهُ، فأُرسِل إليهما، فسبَق صاحبُ اللَّحْدِ، فلَحَدوا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
كَما بَيَّنَتِ الشَّريعةُ الأحكامَ المُتَعَلِّقةَ بالأحياءِ، كذلك بَيَّنَتِ الأحكامَ المُتَعَلِّقةَ بالأمواتِ، أي: بما يُفعَلُ بالشَّخصِ إذا ماتَ، والأحكامُ المُتَعَلِّقةُ بالمَيِّتِ هيَ: تَغسيلُه، وتَكفينُه، والصَّلاةُ عليه ودَفنُه.
ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بدَفنِ المَيِّتِ دَفنُه في حُفرةٍ، سَواءٌ في لحدٍ فيها أو شَقٍّ، ولمَّا توُفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اختارَ اللَّهُ له الأفضَلَ في دَفنِه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه عَن دَفنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ: لمَّا توُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان رَجُلٌ يَلحَدُ، أي: يَعرِفُ حَفرَ اللَّحدِ، وهو عِبارةٌ عَن شَقٍّ بطولِ المَيِّتِ يُحفَرُ في جَنبٍ مِن جَوانِبِ القَبرِ ويوضَعُ فيه المَيِّتُ، ثُمَّ يوضَعُ الطُّوبُ اللَّبِنُ مِن خَلفِه حتَّى يُسنِدَه مِنَ الوُقوعِ مِن ذلك الشَّقِّ، وسُمِّي لحدًا لأنَّه قد أُميلَ عَن وسَطِ القَبرِ إلى جانِبِه، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ الرَّجُلَ الذي كان يَعمَلُ اللَّحدَ هو أبو طَلحةَ الأنصاريُّ، ورَجُلٌ يَضرَحُ، أي: يَعرِفُ حَفرَ الضَّريحِ، وهو الشَّقُّ، وهو حُفرةٌ مُستَطيلةٌ في وسَطِ القَبرِ، تُبنى جَوانِبُها باللَّبِنِ أو غَيرِه، يوضَعُ فيه المَيِّتُ، ويُسقَفُ عليه باللَّبِنِ أوِ الخَشَبِ أو غَيرِهما، ويُرفَعُ السَّقفُ قَليلًا، بحَيثُ لا يَمَسَّ المَيِّتَ.
وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ الرَّجُلَ الذي كان يَعمَلُ الضَّريحَ هو أبو عُبَيدةَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وكان الشَّقُّ عادةَ أهلِ مَكَّةَ، واللَّحدُ عادةَ أهلِ المَدينةِ.
فلمَّا اختَلف الصَّحابةُ أيُّهما أفضَلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل اللَّحدُ أوِ الشَّقُّ؟ وارتَفعَت أصواتُهم بذلك، فقالوا: نَستَخيرُ رَبَّنا عَزَّ وجَلَّ، أي: نَطلُبُ مِن رَبِّنا أن يوفِّقَنا ما هو خَيرٌ لنَبيِّنا في دَفنِه مِنَ اللَّحدِ والشَّقِّ.
ونُرسِلُ إليهما، أي: للذي يَلحَدُ وللذي يَضرَحُ، فأيُّهما سَبَقَ تَرَكناه، أي: مَن سَبَقَ مِنَ الرَّجُلينِ للحُضورِ تَرَكناه يَحفِرُ القَبرَ، فأرسَلوا إليهما، أي: بَعَثوا يُنادونَ الرَّجُلَ الذي يَلحَدُ والرَّجُلَ الذي يَضرَحُ، فسَبق صاحِبُ اللَّحدِ، أي: كان هو الذي أتى أوَّلًا.
فلَحَدوا، أي: أمَروه باللَّحدِ، لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: فلحَدَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدُفِن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في اللَّحدِ، واختارَ اللَّهُ لنَبيِّه اللَّحدَ، وهو أستَرُ للمَيِّتِ وأفضَلُ، وبذلك يَكونُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد وافقَ أهلَ المَدينةِ في صِفةِ الدَّفنِ، واختارَ اللَّهُ له ذلك.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ اللَّحدِ في القَبرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الشَّقِّ في القَبرِ.
وفيه أفضَليَّةُ اللَّحدِ على الشَّقِّ.
وفيه بَيانُ صِفةِ دَفنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ الاستِخارةِ .