بَيْنا نحن مع رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم في مسيرٍ إذا نحن بثلاثِ أشاءاتٍ متفرِّقاتٍ فقال يا يَعْلى اذهَبْ إلى تلك الأشاءاتِ فقل إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يأمُرُكنَّ أن تجتمِعْنَ بإذنِ اللهِ فمشَيْنَ حتَّى صِرْنَ في أصلٍ واحدٍ فاستَتَر بهنَّ لبعضِ حاجتِه ثُمَّ قال يا يَعْلى انطَلِقْ إليهنَّ فأمَرَهنَّ أن يرجِعْنَ بإذنِ اللهِ فمشَيْنَ حتَّى رجَعَتْ كلُّ واحدةٍ إلى موقفِها
أخرجه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (54)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (6/ 22) مطولا.
أيَّدَ اللهُ أنبياءَه بمُعجِزاتٍ ظاهرةٍ تَدُلُّ على صِدقِ دَعوتِهم ونُبوَّتِهم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أكثَرِ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ، فله مِنَ المُعجِزاتِ والآياتِ الدَّالَّةِ على صِدقِه الشَّيءُ الكَثيرُ، ومِن ذلك ما جاءَ في هذا الحَديثِ؛ حَيثُ يَقولُ يَعلى بنُ أُميَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه: بَينا نَحنُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَسيرٍ، أي: عِندَما كُنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفرٍ، وأثناءَ السَّيرِ إذا نَحنُ بثَلاثٍ أشاءاتٍ.
جَمعُ أشاءةٍ، وهيَ صِغارُ النَّخلِ، مُتَفرِّقاتٍ، أي: مُتَباعِداتٍ، كُلُّ واحِدةٍ في مَكانٍ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا يَعلى اذهَبْ إلى تلك الأشاءاتِ، فقُلْ لهنَّ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكُنَّ أن تَجتَمِعنَ بإذنِ اللهِ، أي: أمَرَه أن يَذهَبَ إلى تلك النَّخَلاتِ ويَأمُرَهنَّ أن تَجتَمِعَنْ بأمرِ اللَّهِ، فلمَّا ذَهَبَ يَعلى وأخبَرَهنَّ بذلك، مَشينَ حتَّى صِرنَ في أصلٍ واحِدٍ.
أي: حتَّى أصبَحنَ في مَكانٍ واحِدٍ، فاستَتَرَ، أي: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بهنَّ، أي: بتلك الأشاءاتِ، لبَعضِ حاجَتِه، أي: كِنايةً عَن قَضاءِ حاجَتِه مِن بَولٍ أو غائطٍـ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا يَعلى، انطَلِقْ، أي: اذهَبْ إليهنَّ، أي: الأشاءاتِ، فأمَرَهنَّ أن يَرجِعنَ بإذنِ اللهِ، أي: أن تَرجِعَ كُلُّ واحِدةٍ إلى مَكانِها بأمرِ اللَّهِ تعالى، فلمَّا ذَهَبَ يَعلى وأخبَرَهنَّ بذلك مَشينَ حتَّى رَجَعَت كُلُّ واحِدةٍ إلى مَوقِفِها، أي: إلى مَكانِها التي كانت فيه.
وفي الحَديثِ بَيانُ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّسَتُّرِ عِندَ قَضاءِ الحاجةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ استِعمالِ الإمامِ أحَدَ الرَّعيَّةِ في حَوائِجِه .
الأحاديث الطوال للطبراني (ص306) :
54 - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، ثنا شريك، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده ، قال: " رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي، كنت منه في طريق مكة فمر على امرأة معها ابن لها، به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله، ابني هذا كما ترى، قال: إن شئت دعوت له فدعا له ثم مضى، فمر عليه بعير ماد جرانه يرغو، فقال: علي بصاحب هذا فجيء به، فقال: " هذا يقول: نتجت عندكم، واستعملوني حتى إذا كبرت أرادوا أن ينحروني " ثم مضى فرأى شجرتين متفرقتين، فقال: اذهب فمرهما فلتجتمعا فاجتمعتا فقضى حاجته، ثم قال لي: اذهب فقل لهما تفترقان فقلت لهما فتفرقا، فلما انصرف مر صلى الله عليه وسلم على الصبي وهو يلعب مع الصبيان وقد هيأت أمه ستة أكبش فأهدت له كبشين وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا كفرة الجن والإنس
[دلائل النبوة - البيهقي] (6/ 22) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي وأبو محمد بن أبي حامد المقرئ، قالوا: أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا حمدان بن الأصبهاني، حدثنا شريك، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده ، قال: رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي: كنت معه في طريق مكة، فمر بامرأة معها ابن لها، به لمم، ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله! ابن هذا كما ترى، فقال: إن شئت دعوت له، فدعا له، ثم مضى فمر على بعير ناد جرانه يرعوا، فقال علي بصاحب هذا، فجيء به، فقال، هذا يقول نتجت عندهم فاستعملوني، حتى إذا كبرت أرادوا أن ينحروني.
قال: ثم مضى فرأى شجرتين متفرقتين فقال لي: اذهب، فمرهما فلتجتمعا لي.
قال: فاجتمعتا، فقضى حاجته، قال: ثم مضى فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الصبيان وقد هيأت أمه أكبشا، فأهدت له كبشين، وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من شيء إلا يعلم أني رسول الله، إلا كفرة، أو فسقة الجن والإنس .