عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: كُنَّا عندَ حُذَيفةَ بالمدائِنِ، فاستسقى دِهْقانًا، فجاءَه بماءٍ في إناءٍ مِن فِضَّةٍ، فحَذَفَه به حذيفةُ، وكان فيه حِدَّةٌ، فكَرِهْنا أن نكَلِّمَه، ثُمَّ التفَتَ إلينا فقال: أعتَذِرُ إليكم، إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام فينا خطيبًا فقال: لا تَشْرَبوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَلْبَسوا الدِّيباجَ والحَريرَ، فإنَّه لهم في الدُّنيا ولكم في الآخِرةِ.
بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأُمَّتِه الحَلالَ والحَرامَ في جَميعِ النَّواحي؛ ليَكونوا على بَيِّنةٍ مِن أمرِهم، وامتَثَل الصَّحابةُ الكِرامُ أوامِرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَواهِيَه، وعَظَّموا حُدودَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُكَيمٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّهم كانوا عِندَ حُذَيفةَ بنِ اليَمانِ رَضِيَ اللهُ عنه بالمَدائِنِ، وهيَ مَدينةٌ عَظيمةٌ تَقَعُ على نَهرِ دِجلةَ مِن بلادِ فارِسَ، افتَتَحَها المُسلمونَ في عَهدِ الخَليفةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ في السَّنةِ السَّادِسةَ عَشرةَ للهجرةِ، وولَّى عُمَرُ عليها حُذَيفةَ، فاستَسقى -أي: طَلبَ الماءَ ليَشرَبَ- دِهقانًا.
الدِّهقانُ: هو رَئيسُ القَريةِ ومُقدَّمُ النَّاسِ.
والمَعنى: أنَّ حُذَيفةَ طَلبَ مِن هذا الدِّهقانِ أن يَسقيَه ماءً، فجاءَه، أي: جاءَ الدِّهقانُ لحُذَيفةَ بماءٍ في إناءٍ مِن فِضَّةٍ، أي: بماءِ داخِلَ إناءِ فِضَّةٍ، فحَذَفه به حُذَيفةُ، أي: رَمى حُذَيفةُ الدِّهقانَ بهذا الإناءِ حتَّى كَسَر الإناءَ، كَما في رِوايةٍ أُخرى، يَقولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُكَيمٍ: وكان فيه حِدَّةٌ.
وهيَ ما يَعتَري الإنسانَ مِنَ الغَضَبِ، أي: أنَّ حُذَيفةَ اشتَدَّ به الغَضَبُ على الدِّهقانِ، فكَرِهنا أن نُكَلِّمَه، أي: عَن سَبَبِ رَميِه للدِّهقانِ بهذا الإناءِ عِندَما جاءَ له بالماءِ، ثُمَّ التَفتَ حُذَيفةُ إليهم، فقال: أعتَذِرُ إليكُم، أي: مِمَّا حَصَل مِنِّي، وقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّ حُذَيفةَ كان قد نَهى هذا الدِّهقانَ عَن آنيةِ الفِضَّةِ فلم يَنتَهِ.
ثُمَّ قال حُذَيفةُ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قامَ فينا خَطيبًا، فقال: لا تَشرَبوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَلبَسوا الدِّيباجَ والحَريرَ.
والدِّيباجُ: نَوعٌ مِنَ الحَريرِ، وقيل: هو ما رَقَّ مِنَ الحَريرِ.
فإنَّه، أي: هذه الأشياءُ -وهيَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، والحَريرُ والدِّيباجُ- لهم في الدُّنيا، أي: الكُفَّارِ، ولكُم في الآخِرةِ، أي: في الجَنَّةِ.
والمَعنى: أنَّ الكُفَّارَ إنَّما يَحصُلُ لهم ذلك في الدُّنيا، وأمَّا الآخِرةُ فما لهم فيها مِن نَصيبٍ، وأمَّا المُسلمونَ فلهم في الجَنَّةِ الحَريرُ والذَّهَبُ وغَيرُ ذلك؛ مُكافأةً لهم على تَركِه في الدُّنيا، ويُمنَعُه الكُفَّارُ جَزاءً لهم على مَعصيَتِهم باستِعمالِه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ طَلَبِ السُّقيا مِنَ الغَيرِ.
وفيه تَعزيرُ مَنِ ارتَكَبَ مَعصيةً.
وفيه مَشروعيَّةُ أن يُعَزِّرَ الأميرُ بنَفسِه بَعضَ مُستَحِقِّي التَّعزيرِ.
وفيه أنَّ الأميرَ والكَبيرَ إذا فعَل شَيئًا صحيحًا في نَفسِ الأمرِ، ولا يَكونُ وجهُه ظاهرًا، فيَنبَغي أن يُنَبِّهَ على دَليلِه، وسَبَبِ فِعلِه ذلك.
وفيه النَّهيُ عَنِ الشُّربِ في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وفيه النَّهيُ عَن لُبسِ الدِّيباجِ والحَريرِ .