قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ فينا في حَجَّةِ الوَداعِ، وهو على ناقتِه الجَدْعاءِ، قد جَعَلَ رِجْلَيه في غَرْزَيِ الرِّكابِ يَتَطاوَلُ يُسمِعُ النَّاسَ، فقالَ: أَلَا تَسمَعونَ صَوْتي؟ فقالَ رَجُلٌ مِن طَوائِفِ النَّاسِ: فماذا تَعهَدُ إلينا؟ فقالَ: اعْبُدوا رَبَّكم، وصَلُّوا خَمْسَكم، وصوموا شَهْرَكم، وأدُّوا زَكاةَ أمْوالِكم، وأَطيعوا وُلاةَ أمْرِكم، تَدخُلوا جَنَّةَ رَبِّكم، قالَ: قُلْتُ: يا أبا أُمامةَ، فمِثلُ مَن أنت يَوْمَئذٍ؟ قالَ: يا بنَ أخي، يَوْمَئذٍ ابنُ ثَلاثينَ سَنةً، أُزاحِمُ البَعيرَ، أُدَحْرِجُه قُرْبًا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ.
أخرجه الترمذي (616)، وأحمد (22258)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (4/ 326)، وابن حبان (900)، والحاكم (19) واللفظ لهم.
لمَّا بَلَّغَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دينَ اللهِ ودَخَل النَّاسُ فيه أفواجًا خَرَجَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ذلك للحَجِّ، وخَرَجَ مَعَه أُمَّةٌ كَبيرةٌ مِنَ الصَّحابةِ، فحَجَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَجَّةَ الوداعِ وعَلَّمَهم مَناسِكَ حَجِّهم، وخَطَبَهم في تلك الحَجَّةِ عِدَّةَ خُطَبٍ يَأمُرُهم ويُذَكِّرُهم ويوصيهم بالتَّمَسُّكِ بهذا الدِّينِ وبفرائِضِه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو أُمامةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قامَ يَخطُبُ فيهم في حَجَّةِ الوداعِ، وسُمِّيَت بحَجَّةِ الوداعِ؛ لأنَّها الحَجَّةُ التي ودَّعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها أصحابَه، وقال لهم: لعَلِّي لا ألقاكُم بَعدَ عامي هذا.
وهو على ناقَتِه الجَدعاءِ! الجَدعُ: قَطعُ الأنفِ، أي: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوقَ ناقَتِه المَقطوعةِ الأنفِ، قد جَعَل رِجلَيه في غَرزَيِ الرِّكابِ، وهو ما توضَعُ فيه الرِّجلُ عِندَ صُعودِ الشَّخصِ على الجَمَلِ، وهما رِكابانِ يُدخِلُ الرَّاكِبُ رِجلَه فيه حتَّى يَعتَمِدَ عليه في الرُّكوبِ، يَتَطاوَلُ، أي: يَرتَفِعُ ويَقومُ، يُسمِعُ النَّاسَ، أي: حتَّى يَراه النَّاسُ جَميعًا ويَسمَعوا كَلامَه، فقال للنَّاسِ: ألَّا تَسمَعونَ صَوتي؟ أي: هَل تَسمَعونَ جَميعُكُم صَوتي؟ فقال رَجُلٌ مِن طَوائِفِ النَّاسِ، أي: مِن عامَّةِ النَّاسِ: فماذا تَعهَدُ إلينا؟ أي: بم توصينا يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: اعبُدوا رَبَّكُم، أي: وَحِّدوه فأطيعوه فيما أمَرَ ونَهى، وصَلُّوا خَمسَكم، أي: الصَّلواتِ الخَمسَ الفرائِضَ، وصوموا شَهرَكُم، أي: شَهرَ رَمَضانَ، وأدُّوا زَكاةَ أموالِكُم، أي: أخرِجوها إلى مُستَحِقِّيها، وأطيعوا وُلاةَ أمرِكُم، أي: عليكُم بطاعةِ أوامِرِ مَن ولَّاه اللهُ عليكُم مِنَ الحُكَّامِ والأُمَراءِ، ولو جائِرًا أو مُتَغَلِّبًا، إلَّا أنَّه لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ، ولم يَذكُرِ الحَجَّ اكتِفاءً بدَلالةِ الحالِ؛ لكَونِهم كانوا في الحَجِّ، أو هو اختِصارٌ مِن بَعضِ الرُّواةِ.
تَدخُلوا جَنَّةَ رَبِّكُم، أي: كان جَزاءُ مَنِ امتَثَل ذلك استِحقاقَه دُخولَ الجَنَّةِ.
فقال أحَدُ الحاضِرينَ عِند أبي أُمامةَ: يا أبا أُمامةَ، فمِثلُ مَن أنتَ يَومَئِذٍ؟ أي: كَم كان عُمُرُك وقتَ قَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك؟ فقال أبو أُمامةَ: يا بنَ أخي، يَومَئِذٍ ابنُ ثَلاثينَ سَنةً، أي: كان عُمري ثَلاثينَ سَنةً، أُزاحِمُ البَعيرَ، أي: الإبِلَ، أُدَحرِجُه، أي: أُزَحزِحُه وأدفَعُه قُربًا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: حتَّى أقتَرِبَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأسمَع كَلامَه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الخُطبةِ فوقَ الدَّابَّةِ.
وفيه حِرصُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على إسماعِ النَّاسِ ما سَيَقولُه لهم.
وفيه حِرصُ الصَّحابةِ على طَلَبِ الوصيَّةِ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه الوصيَّةُ بعِبادةِ اللهِ وَحدَه.
وفيه الوصيَّةُ بالمُحافظةِ على الصَّلواتِ الخَمسِ.
وفيه الوصيَّةُ بصَومِ رَمَضانَ.
وفيه الوصيَّةُ بأداءِ الزَّكاةِ.
وفيه الوصيَّةُ بطاعةِ وُلاةِ الأمرِ.
وفيه استِحقاقُ الجَنَّةِ لمَنِ امتَثَل ما أوصى به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
[سنن الترمذي] (2/ 516) :
616 - حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكوفي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: أخبرنا معاوية بن صالح قال: حدثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة ، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم، قال: فقلت لأبي أمامة: منذ كم سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ قال: سمعته وأنا ابن ثلاثين سنة،: هذا حديث حسن صحيح
مسند أحمد (36/ 593 ط الرسالة) :
22258 - حدثنا عبد الرحمن، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر الكلاعي، قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء، واضع رجليه في الغرز يتطاول يسمع الناس فقال بأعلى صوته: " ألا تسمعون " فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله، ماذا تعهد إلينا؟ قال: " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم " فقلت: يا أبا أمامة، مثل من أنت يومئذ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة، أزاحم البعير، أزحزحه قدما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
التاريخ الكبير للبخاري (4/ 326 ت المعلمي اليماني) :
قال لنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية عن أبي يحيى سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع وهو على الجدعاء قد جعل رجليه في غرز الركاب تطاول يسمع الناس بطول صوته وقال قائل من طوائف الناس بماذا تعهد إلينا؟ قال: اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنتكم، قال أبويحيى قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير حتى أزحزحه قدما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
[صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع] (2/ 44) :
900 - أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: أخبرني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبنا في حجة الوداع وهو على ناقته الجدعاء، وتطاول في غرز الرحل، فقال: "أيها الناس"، فقال رجل في آخر الناس: ما تقول، أو ما تريد؟ فقال: "ألا تسمعون، أطيعوا ربكم، وصلوا خمسكم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم"، فقلت لأبي أمامة: ابن كم كنت يومئذ حين سمعت هذا؟ قال: سمعت وأنا ابن ثلاثين سنة.
[المستدرك على الصحيحين] (1/ 52) :
19 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا سعيد بن أبي مريم، عن معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي ، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حجة الوداع: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم .
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا نعرف له علة ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري ومسلم بأحاديث سليم بن عامر وسائر رواته متفق عليهم