أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ وأصحابًا لهُ أتَوُا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بمكَّةَ فقالوا يا رسولَ اللَّهِ إنَّا كنَّا في عزٍّ ونحنُ مشرِكونَ فلمَّا آمنَّا صرنا أذلَّةً فقالَ إنِّي أُمِرتُ بالعفوِ فلا تقاتِلوا فلمَّا حوَّلَنا اللَّهُ إلى المدينةِ أُمِرْنا بالقتالِ فكفُّوا فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }
لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالدَّعوةِ إلى اللهِ تعالى في مَكَّةَ كان يَدعو النَّاسَ إلى الإيمانِ باللهِ تعالى وتَوحيدِه، وأن يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وكان الأمرُ مُقتَصِرًا على الدَّعوةِ والصَّبرِ عليها فقَط، فلم يُؤمَرْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِتالِ المُخالِفينَ له، فلمَّا هاجَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ وتَمَكَّنَ واستَقَرَّ بها نَزَل عليه الأمرُ بالقِتالِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وأصحابًا له أتَوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَكَّةَ، أي: جاؤوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما كانوا بمَكَّةَ قَبلَ الهجرةِ وقد أسلَموا، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في عِزٍّ ونَحنُ مُشرِكونَ، أي: لمَّا كُنَّا على الشِّركِ كانت لنا قوَّةٌ ومَنَعةٌ، فلمَّا آمَنَّا صِرْنا أذِلَّةً! أي: لمَّا آمَنَّا بك وصَدَّقناك واتَّبَعناك أصبَحنا أذِلَّةً وضُعَفاءَ يُستَهانُ بنا ونؤذى، والمَقصودُ بذلك أنَّهم يُريدونَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَأذَنَ لهم بالقِتالِ حتَّى تَكونَ لهم قوَّةٌ ومَكانةٌ أمامَ قُرَيشٍ ويَهابَهمُ النَّاسُ.
فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي أُمِرتُ بالعَفوِ، أي: عَمَّا يَقَعُ مِنَ المُشرِكينَ علينا مِنَ الأذى، فلا تُقاتِلوا، أي: لم نُؤمَرْ بالقِتالِ، فلا أحَدَ مِنكُم يُقاتِلُ.
فلمَّا حَوَّلَنا اللَّهُ إلى المَدينةِ، أي: هاجَرنا إلى المَدينةِ، أَمَرنا بالقِتالِ، أي: أنزَل اللهُ تعالى الآياتِ الآمِرةَ بالقِتالِ والجِهادِ، فكَفُّوا، أي: امتَنَعَ بَعضُ المُسلمينَ مِنَ القِتالِ ولم يُقاتِلوا، فأنزَل اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} [النساء: 77] أي: لمَّا أُمِروا بما كانوا يَودُّونَه جَزِع بَعضُهم مِنه، وشَقَّ ذلك على بَعضِهم، وخافوا مِن مواجَهةِ النَّاسِ خَوفًا شَديدًا! وفي الحَديثِ أنَّ دَعوةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَكَّةَ كانت للتَّوحيدِ بدونِ قِتالٍ، وبالصَّبرِ والعَفوِ عَن إيذاءِ المُشرِكينَ.
وفيه أنَّ الأمرَ بالقِتالِ نَزَل في المَدينةِ.
وفيه بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ .