لما كان يومُ أحدٍ ، أُصِيبَ مِنَ الأنصارِ أربعةٌ وستونَ رجلًا ومِنَ المهاجرينَ ستةٌ ، منهم حمزةُ ، فمَثَّلُوا بهم فقالَتْ الأنصارُ : لَئِنْ أَصْبَنا مِنْهُم يومًا مثلَ هذه لَنُرْبِيَنَّ عليْهِم ، قال فلمَّا كان يومُ فتحِ مكةَ فأنزل اللهُ تَعَالَى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصَّابِرِينَ فقال الرجلُ : لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ .

فقال رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - : كفُّوا عنِ القومِ إلَّا أَرْبَعَةً .

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# مغازي - فتح مكة# جهاد - النهي عن المثلة# تفسير آيات - سورة النحل# مغازي - غزوة أحد
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أبي بن كعب
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

الشرح والتوضيح

لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ؛ فكانت غَزوةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ للهجرةِ، وانتَصَرَ فيها المُسلمونَ انتصارًا عظيمًا، سَمَّاه اللَّهُ تَعالى بيَومِ الفُرقانِ، وأذَلَّ اللَّهُ فيه كُفَّارَ قُرَيشٍ وقَتَلَ صَناديدَهم، فأرادَ كُفَّارُ قُرَيشٍ أن يَثأروا لزُعَمائِهم، فكانت غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ، وحَصَل فيها مَقتَلةٌ عَظيمةٌ للمُسلمينَ ومُصيبةٌ كَبيرةٌ لهم، وأُصيبَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجُرِح.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه عَن عَدَدِ الذينَ قُتِلوا مِنَ المُسلِمينَ في غَزوةِ أُحُدٍ وما حَصَل لهم، فيَقولُ: لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ، أي: غَزوةُ أُحُدٍ، أُصيبَ، أي: قُتِل مِنَ الأنصارِ أربَعةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمزةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، فمَثَلوا بهم، أي: مَثَلَ الكُفَّارُ بجُثَثِ المُسلِمينَ، والمُثلةُ: هيَ تَشويهُ القَتيلِ بقَطعِ أعضائِه وأنفِه وأُذُنِه ومَذاكيرِه وفقءِ العَينِ.

فقالتِ الأنصارُ: لئِن أصَبنا مِنهم يَومًا مِثلَ هذه، أي: أوقَعنا بهم في قِتالٍ قادِمٍ، لنُرْبيَنَّ عليهم.

مِنَ الإرباءِ، أي: لنَزيدَنَّ في التَّمثيلِ بقَتلاهم بأكثَرَ مِمَّا فعَلوا بجُثَثِ المُسلمينَ.

فلمَّا كان يَومُ فتحِ مَكَّةَ، أي: غَزوةُ فَتحِ مَكَّةَ، فأنزَل اللهُ تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] ، أي: إنَّ لكُم أن تُعاقِبوا مَن ظَلَمَكُم واعتَدى عليكُم بمِثلِ ما فعَلَ بكُم، وإن تَرَكتُم عِقابَهم واحتَسَبتُمُ الأجرَ عِندَ اللهِ فهو أفضَلُ وخَيرٌ لكُم.

فقال الرَّجُلُ أي: مِنَ المُسلِمينَ: لا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ، أي: يُريدُ أن يَفتِكَ بهم ويَستَأصِلَهم، وذلك أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان قد أخبَرَهم بأنَّ مَن حَمل عليهم سِلاحًا في ذلك اليَومِ فليَقتُلوه، ولكِن بَعدَ ذلك أمَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرَيشًا في ذلك اليَومِ إن تَرَكوا القِتالَ.

فقال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ: كُفُّوا عَنِ القَومِ إلَّا أربَعةً، أي: لا تَقتُلوا أحَدًا مِن قُرَيشٍ إلَّا أربَعةَ أشخاصٍ؛ وذلك لشِدَّةِ جُرمِهم وإيذائِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد جاءَ بَيانُهم في رِوايةٍ أُخرى، وهم: عِكرِمةُ بنُ أبي جَهلٍ، وعَبدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ صُبابةَ، وعَبدُ اللَّهِ بنُ سَعدِ بنِ أبي السَّرْحِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ عَدَدِ الذينَ قُتِلوا مِنَ المُسلمينَ في غَزوةِ أُحُدٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ العَدلِ والنَّدبِ إلى الفَضلِ.

وفيه الأمرُ بالمُعامَلةِ بالمِثلِ وعَدَمِ الاعتِداءِ.

وفيه الحَثُّ على الصَّبرِ.

وفيه أمرُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَفِّ القِتالِ عَن قُرَيشٍ في فتحِ مَكَّةَ إلَّا أربَعةَ أشخاصٍ .

أحاديث ذات صلة