[عن] سعيدُ بنُ عمرٍو قالَ: أَتى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ، فقالَ: يا ابنَ الزُّبيرِ، إيَّاكَ والإلحادَ في حَرَمِ اللهِ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: «إنَّه سيُلحِدُ فيه رَجلٌ مِن قريشٍ لوْ أنَّ ذنوبَهُ تُوزنُ بذنوبِ الثِّقلينِ لرجَحتْ».
عَظَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأنَ مَكَّةَ مِن بَينِ سائِرِ البُلدانِ، فجَعلَها قِبلةَ المُسلمينَ ومَهوى أفئِدَتِهم، وفَضَّلها على جَميعِ البُلدانِ، وخَصَّها بأن جَعلَها حرمًا آمنًا، فقال تَعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ ولهذا حَذَّرَ سُبحانَه مِن أن يُريدَها أحَدٌ بسوءٍ فتَوعَّدَه بالعَذابِ الأليمِ، فقال تَعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ؛ ولهذا لمَّا استَخلَف مُعاويةُ رَضِيَ اللهُ عنه ابنَه يَزيدَ وجَعَل الخِلافةَ له بَعدَه، لم يَرضَ عَبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيرِ بذلك، فاستَقَلَّ بإمارةِ الحِجازِ، فحَصَل اقتِتالٌ بَين يَزيدَ بنِ مُعاويةَ وعَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ، وكان ابنُ الزُّبَيرِ في مَكَّةَ، فحَذَّرَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما ابنَ الزُّبَيرِ مِنَ الاقتِتالِ في الحَرَمِ.
ففي هذا الحَديثِ يُخبرُ سَعيدُ بنُ عَمرٍو -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ ذَهَبَ إلى عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ، وقال له: يا ابنَ الزُّبَيرِ، إيَّاكَ والإلحادَ في حَرَمِ اللَّهِ -أي: احذَرْ أن تَكونَ مِمَّن ألحَدَ في حَرَمِ اللَّهِ، والمَقصودُ به استِحلالُ الظُّلمِ والعُدوانِ والعِصيانِ وفِعلِ الكَبائِرِ، وأصلُ الإلحادِ: المَيلُ والعُدولُ عَنِ الشَّيءِ، والمَعصيةُ في الحَرَمِ تَزيدُ على المَعصيةِ في غَيرِه- فإنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: إنَّه سَيُلحِدُ فيه، أي: الحَرَمِ، رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ، أي: فاحذَرْ يا ابنَ الزُّبَيرِ أن تَكونَ أنتَ هذا الرَّجُلَ.
لو أنَّ ذُنوبَه، أي: الشَّخصِ الذي سَيُلحِدُ في الحَرَمِ، توزَنُ بذُنوبِ الثَّقَلَينِ، أي: الجِنِّ والإنسِ، لرَجَحَت، أي: لغَلبَت وثَقُلت ذُنوبُه على ذُنوبِ الإنسِ والجِنِّ؛ وذلك لعِظَمِ الذَّنبِ والإلحادِ في الحَرَمِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ لمَن ألحَدَ في الحَرَمِ.
وفيه النُّصحُ والإرشادُ لوليِّ الأمرِ .