نادى رجُلٌ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - إنَّا نَعتِرُ عتيرةً في الجاهليَّةِ في رجبٍ فما تأمرُنا ؟ قالَ : اذبَحوا في أيِّ شَهْرٍ كانَ ، وبرُّوا اللَّهَ وأطعِموا .
قالَ : إنَّا كنَّا نَفرَعُ فَرعًا في الجاهليَّةِ ، فما تَأمرُنا ؟ قالَ : في كلِّ سائمةٍ فَرعٌ تغذوهُ ماشيتَكَ حتَّى إذا استَحملَ قالَ نصرٌ : استَحملَ للحَجيجِ ذبحتَهُ فتصدَّقتَ بلحمِهِ .
قالَ خالدٌ : أحسبَهُ قالَ : علَى ابنِ السَّبيلِ فإنَّ ذلِكَ خيرٌ .
قالَ خالدٌ : قلتُ لأبي قلابةَ : كَمِ السَّايمةُ ؟ قالَ مِائةٌ .
أخرجه أبو داود (2830)، وأحمد (20723) واللفظ لهما، والنسائي (4229)، وابن ماجه (3167) باختلاف يسير.
كان العَرَبُ في الجاهليَّةِ لهم عاداتٌ وتَقاليدُ مُتَعَدِّدةٌ في المَآكِلِ والمَشارِبِ والذَّبائِحِ وغَيرِ ذلك، ومِن ذلك أنَّهم كانوا يَذبَحونَ الذَّبائِحَ في بَعضِ الشُّهورِ، فلَمَّا جاءَ الإسلامُ أقَرَّهم على بَعضِ الذَّبائِحِ، ونَهاهم عَن بَعضِها.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ نُبَيشةُ الخَيرِ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رَجُلًا نادى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال له: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا نَعتِرُ، أي: نَذبَحُ، عَتيرةً -وهيَ شاةٌ كانوا يَذبَحونَها في العَشرِ الأُوَلِ مِن رَجَبٍ، ويُسَمُّونَها الرَّجَبيَّةَ- في الجاهليَّةِ، أي: قَبلَ الإسلامِ، في رَجَبٍ، أي: في شَهرِ رَجَبٍ.
فما تَأمُرُنا؟ أي: مِن عادَتِنا في الجاهليَّةِ أنَّنا نَذبَحُ في شَهرِ رَجَبٍ ذَبيحةً ونُسَمِّيها العَتيرةَ، فما تَأمُرُنا في الإسلامِ أن نَفعَلَه أو نَترُكَه؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اذبَحوا في أيِّ شَهرٍ كان، أي: لا تَخُصُّوا شَهرًا مُعَيَّنًا بالذَّبحِ، وإنَّما يُشرَعُ أن تَتَقَرَّبوا للهِ بالذَّبحِ في أيِّ شَهرٍ، واجعَلوا الذَّبحَ في رَجَبٍ وغَيرِه سَواءً، وبَرُّوا اللَّهَ، أي: أطيعوه، وأطعِموا، أي: تَصَدَّقوا مِنها للهِ على الفُقَراءِ والمَساكينِ.
ثُمَّ سَأَلَ الرَّجُلُ عَن ذَبيحةٍ أخرى، فقال: إنَّا كُنَّا نُفْرِعُ، أي: نَذبَحُ، فَرَعًا، وهو أوَّلُ ما تَلِدُ النَّاقةُ، وكانوا يَذبَحونَ ذلك لآلِهَتِهم، وقيلَ: كان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ إذا تَمَّت إبِلُه مِائةً قَدَّم بَكْرًا، فيَنحَرُه لصَنَمِه، ولا يَملِكونَه رَجاءَ البَرَكةِ في المَواشي وكَثرةِ نَمائِها.
في الجاهليَّةِ، فما تَأمُرُنا؟ أي: فما حُكمُ ذلك.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: في كُلِّ سائِمةٍ -وهيَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ التي تَرعى- فَرَعٌ، أي: ولَدٌ، تَغْذُوه، أي: تَعلِفُه وتُعطيه الغِذاءَ كَما تَعلِفُ وتُغَذِّي ماشيَتَك حتَّى إذا استَحمَلَ، أي: قَويَ على الحَملِ وصارَ بحَيثُ يُحمَلُ عليه.
قال نَصرٌ، وهو أحَدُ الرُّواة في رِوايَتِه: استَحمَلَ للحَجيجِ.
جَمعُ حاجٍّ، أي: قَويَ لحَملِ الحَجيجِ أو لرُكوبِ الحَجيجِ عليه، ذَبَحتَه فتَصَدَّقتَ بلَحمِه، أي: حتَّى إذا صارَ هذا الجَمَلُ أهلًا لأن يُحمَلَ عليه ذَبَحتَه فتَصَدَّقتَ بلَحمِه.
قال خالِدٌ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: أحسِبُه، أي: أظُنُّ، أبا قِلابةَ، وهو أحَدُ الرُّواةِ، قال: على ابنِ السَّبيلِ، أي: تَتَصَدَّقُ بلَحمِ هذا الجَمَلِ على ابنِ السَّبيلِ، وهو الذي يَجتازُ بك مارًّا أو يَسيرُ مَعَك، والسَّبيلُ: الطَّريقُ، فنُسِبَ إليه المُسافِرُ لمُرورِه عليه؛ فإنَّ ذلك خَيرٌ، أي: نَفعٌ وأجرٌ كَبيرٌ لفاعِلِه، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ إطعامُهمُ ابنَ السَّبيلِ خَيرًا مِن إطعامِ غَيرِه؛ لأنَّه أكثَرُ احتياجًا إليه في الغالِبِ، قال خالِدٌ: قُلتُ لأبي قِلابةَ: كَم السَّائِمةُ؟ أي: كَم عَدَدُ السَّائِمةِ التي أمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذَبحِ فَرَعٍ مِنها.
فقال أبو قِلابةَ: مِئةٌ، أي: عَدَدُ مِئةٍ.
والمَعنى: إذا كان مَعَه مِئةٌ مِنَ الماشيةِ ذَبَح واحِدةً وتَصَدَّق بها.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ العَتيرةِ في أيِّ شَهرٍ.
وفيه مَشروعيَّةُ الفَرَعِ.
وفيه الأمرُ بإِخلاصِ الأعمالِ للهِ تعالى في الذَّبحِ وما يُتَعَبَّدُ به ويُتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالى .
[سنن أبي داود] (3/ 64 ط مع عون المعبود) 2830- حدثنا مسدد.
(ح) وحدثنا نصر بن علي، عن بشر بن المفضل المعنى، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: قال نبيشة : ((نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله، وأطعموا.
قال: إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل- قال نصر: استحمل للحجيج- ذبحته فتصدقت بلحمه.
قال خالد: أحسبه قال: على ابن السبيل فإن ذلك خير)).
قال خالد: قلت لأبي قلابة كم السائمة؟ قال: مائة
[مسند أحمد] (34/ 322 ط الرسالة) ((20723- حدثنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح بن أسامة، عن نبيشة الهذلي ، قال: قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: (( اذبحوا لله في أي شهر ما كان، وبروا الله، وأطعموا)) قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نفرع في الجاهلية، فرعا، فما تأمرنا؟ قال: (( في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل، ذبحته، فتصدقت بلحمه- قال خالد: أراه قال: على ابن السبيل- فإن ذلك هو خير)).
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنا كنا نهيناكم أن تأكلوا لحومها فوق ثلاث كي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا، وادخروا وأتجروا، ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله))
[سنن النسائي] (7/ 321) ((4229- أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا بشر-وهو ابن المفضل- عن خالد وربما قال: عن أبي المليح، وربما ذكر أبا قلابة عن نبيشة قال: نادى رجل وهو بمنى، فقال: يا رسول الله، إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((اذبحوا في أي شهر ما كان، وبروا الله عز وجل، وأطعموا)) قال: إنا كنا نفرع فرعا فما تأمرنا؟ قال: ((في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل ذبحته، وتصدقت بلحمه))
[سنن ابن ماجه] (2/ 1057 ) 3167- حدثنا أبو بشر بكر بن خلف قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن نبيشة ، قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية، في رجب، فما تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا لله عز وجل في أي شهر كان، وبروا لله، وأطعموا)) قالوا: يا رسول الله إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية، فما تأمرنا به؟ قال: (( في كل سائمة فرع، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل ذبحته، فتصدقت بلحمه- أراه قال: على ابن السبيل- فإن ذلك هو خير))