أن رجلًا من مُزَيْنَةَ أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، قال : فكيف تَرَى فيما يُوجَدُ في الطريقِ المِيتاءِ أو في القَريةِ المسكونةِ ؟ قال : عَرِّفْهُ سنةً، فإن جاء باغِيهِ فادفَعْهُ إليه وإلا فَشَأْنُكَ به، فإن جاء طالبُها يومًا من الدَّهْرِ فأَدِّها إليه، وما كان في الطريق غيرِ المِيْتاءِ والقَرْيةِ غيرِ المسكونةِ ففِيهِ وفي الرِّكازِ الخُمُسُ .
أخرجه أبو داود (1710) مطولاً باختلاف يسير، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5826)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (670) باختلاف يسير
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ أحكامَ اللُّقَطةِ، وهيَ اسمُ المالِ المَلقوطُ، أي: المَوجودِ.
والِالتِقاطُ: أن يَعثُرَ الشَّخصُ على الشَّيءِ مِن غَيرِ قَصدٍ وطَلَبٍ، فهذه اللُّقَطةُ لا يَحِلُّ أخذُها إلَّا لمَن يُعَرِّفُها سَنةً، ثُمَّ يَتَمَلَّكُها بَعدَ السَّنةِ، بشَرطِ أن يَضمَنَها لصاحِبِها إذا وجَدَه بَعدَ ذلك.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّ رَجُلًا مِن مُزَينةَ، أي: مِن قَبيلةِ مُزَينةَ إحدى قَبائِلِ العَرَبِ، جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسأَلُه عَنِ اللُّقَطةِ، فقال: كَيف تَرى، أي: ماذا تَقولُ يا رَسولَ اللهِ فيما يوجَدُ في الطَّريقِ الْمِيتاءِ، أي: المسلوكةِ التي يَأتيها النَّاسُ ويَمُرُّونَ مِنها، أو في القَريةِ المَسكونةِ؟ أي: القَريةِ التي يَسكُنُها النَّاسُ ويُقيمونَ بها.
ومَقصودُه: ما حُكمُ المالِ المُلتَقَطِ في الطَّريقِ التي يَسلُكُها النَّاسُ يَذهَبونَ ويَعودونَ فيها، وكذلك القَريةُ التي يَسكُنُها النَّاسُ؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عَرِّفْه -أي: لك أن تَأخُذَه بشَرطِ أن تُعَرِّفَ بهذا المالِ فتُناديَ في المَوضِعِ الذي لَقِيتَه فيه، وفي الأسواقِ، وأبوابِ المَساجِدِ، ومَجامِعِ النَّاسِ، فيَقولُ: مَن ضاعَ له شَيءٌ فليَأتِني- سَنةً، أي: تُعَرِّفُه مُدَّةَ عامٍ واحِدٍ فقَط.
فإن جاءَ باغيه، أي: جاءَ طالِبُ وصاحِبُ المالِ خِلالَ العامِ، فادفَعْه إليه، أي: سَلِّمْ له المالَ.
وإلَّا فشَأنَك به، أي: إذا لم يَأتِ خِلالَ سَنةٍ فلَك بَعدَ السَّنةِ تَملُّكُ المالِ المُلتَقَطِ تَتَصَرَّفُ فيه في شُؤونِك، فهو حَلالٌ لك، فإن جاءَ طالِبُها يَومًا مِنَ الدَّهرِ فأدِّها إليه، أي: إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقَطةِ بَعدَ السَّنةِ في أيِّ وقتٍ ولو بَعدَ سِنينَ فسَلِّمْ له مالَه ذلك.
والمَعنى: أنَّ اللُّقَطةَ لا يَتَصَرَّفُ فيها المُلتَقِطُ خِلالَ السَّنةِ ولا يَتَمَلَّكُها، وإنَّما يُعَرِّفُها، وأمَّا بَعدَ السَّنةِ فلَه تَمَلُّكُها والتَّصَرُّفُ فيها مَعَ ضَمانِها لصاحِبِها إذا جاءَ بَعدَ ذلك؛ فهو يَتَمَلَّكُها حُكمًا لا حَقيقةً.
وما كان في الطَّريقِ غَيرِ المِيتاءِ -أي: وُجِدَت لُقَطةٌ في طَريقٍ مَهجورةٍ غَيرِ مسلوكةٍ ولا يَمُرُّ بها النَّاسُ- والقَريةِ غَيرِ المَسكونةِ، أي: وكذلك وُجِدَتِ اللُّقَطةُ في قَريةٍ خَرابٍ أو خاليةٍ مِنَ السُّكَّانِ، ففيه، أي: الشَّيءِ المُلتَقَطِ، سَواءٌ كان مالًا أو غَيرَه، وفي الرِّكازِ: وهو كُنوزُ الجاهليَّةِ المَدفونةُ في الأرضِ، الخُمُسُ، أي: تُخرِجُ مِنها الخُمُسَ لبَيتِ مالِ المُسلِمينَ، ثُمَّ تَتَمَلَّكُ الباقيَ.
وإنَّما وجَبَ الخُمُسُ في المالِ المُلتَقَطِ في القَريةِ غَيرِ المَسكونةِ والرِّكازِ لكَثرةِ نَفعِهما، وسُهولةِ أخذِهما.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ أخذِ اللُّقَطةِ.
وفيه بَيانُ أنَّ اللُّقَطةَ تُعَرَّفُ سَنةً كامِلةً.
وفيه أنَّ اللُّقَطةَ تُملَكُ بَعدَ سَنةٍ تَمَلُّكًا حُكميًّا.
وفيه أنَّ المالَ المَوجودَ في الطُّرُقِ المَهجورةِ أوِ القَريةِ غَيرِ المَسكونةِ يَخرُجُ مِنه الخُمُسُ.
وفيه أنَّ الرِّكازَ يَخرُجُ مِنه الخُمُسُ .
[سنن أبي داود] (1/ 534) 1710- حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال (( من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شىء عليه ومن خرج بشىء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع)) وذكر في ضالة الغنم والإبل كما ذكره غيره قال وسئل عن اللقطة فقال (( ما كان منها في طريق الميتاء أو القرية الجامعة فعرفها سنة فإن جاء طالبها فادفعها إليه وإن لم يأت فهي لك وما كان في الخراب يعني ففيها وفي الركاز الخمس)).
[السنن الكبرى للنسائي- العلمية] (3/ 423) 5826- أخبرنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسئل عن اللقطة فقال ما كان منها في الطريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإن لم يأت فهي لك وما كان في الخرب ففيها وفي الركاز الخمس
[المنتقى لابن الجارود] (ص: 168) 670- أخبرنا ابن عبد الحكم، أن ابن وهب، أخبرهم قال: أخبرني عمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما أن رجلا، من مزينة أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف ترى في ما يوجد في الطريق الميتاء وفي القرية المسكونة، قال: ((عرفه سنة فإن جاء باغيه فادفعه إليه وإلا فشأنك بها وإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه وما كان في الطريق غير الميتاء أو القرية غير المسكونة ففيه وفي الركاز الخمس))