إنِّي لَجالِسٌ مع عَمِّي حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ في مَسجِدِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذ عرَضَ في ناحيةِ المَسجِدِ شَيخٌ جَليلٌ، في بَصَرِه بَعضُ الضعْفِ، مِن بَني غِفارٍ، فأرسَلَ إليه حُمَيدٌ، فدَعاهُ، فلمَّا أقبَلَ قال: ابنَ أخي، إنَّ هذا قد صحِبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعضِ أسفارِهِ، أوسِعْ له فيما بَيني وبينَكَ، فأوسَعتُ له، فقال له حُمَيدٌ: الحَديثُ الذي ذكَرتَ أنَّكَ سمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُهُ في السَّحابِ؟ قال: نَعم، سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ: إنَّ اللهَ يُنشئُ السَّحابَ، فيَنطِقُ أحسَنَ المَنطِقِ، ويَضحَكُ أحسَنَ الضحِكِ.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5220)، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (1/ 35) بلفظه، وأحمد (23686) باختلاف يسير.
كان السَّلَفُ يَحرِصونَ على طَلَبِ العِلمِ وسَماعِه مِن أهلِ العِلمِ الكِبارِ مِنَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، ويَتَواضَعونَ لهم ويَحتَرِمونَهم ويَعرِفونَ لهم مَكانتَهم وصُحبَتهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو إبراهيمَ بنُ سَعدٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّه كان جالِسًا مَعَ عَمِّه حُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، في مَسجِدِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ عَرَضَ، أي: أقبَلَ أو جاءَ في ناحيةِ المَسجِدِ، شَيخٌ جَليلٌ، أي: عَظيمُ القدرِ والمَكانةِ، في بَصَرِه بَعضُ الضَّعفِ، أي: كان بَصَرُه قد ضَعُف، مِن بَني غِفارٍ، أي: مِن قَبيلةِ غِفارٍ؛ إحدى قَبائِلِ العَرَبِ، فأرسَلَ إليه حُمَيدٌ، فدَعاه، أي: بَعَثَ حُمَيدٌ مَن يَدعو هذا الشَّيخَ، فلَمَّا أقبَل، أي: فلَمَّا جاءَ هذا الشَّيخُ إلى المَكانِ الذي فيه حُمَيدٌ، قال حُمَيدٌ لابنِ أخيه: يا ابنَ أخي، إنَّ هذا، أي: الشَّيخَ، قد صَحِبَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَعضِ أسفارِه، أي: هو مِمَّن صاحَبَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسافرَ مَعَه في بَعضِ الأسفارِ، فأوسِعْ له فيما بَيني وبَينَك، أي: فأريدُك أن توسِعَ له في المَجلِسِ حتَّى يَجلِسَ بَيني وبَينَك، فأوسَعَ له أبو إبراهيمَ.
ثُمَّ قال حُمَيدٌ لهذا الشَّيخِ يَسأَلُه عَن بَعضِ ما سَمِعَه مِنَ الأحاديثِ عَن رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الحَديث الذي ذَكَرتَ، أي: الذي أخبَرتَ أنَّك سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُه في السَّحابِ، أي: حَدِّثْنا بالحَديثِ الذي سَمِعتَه عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شَأنِ السَّحابِ.
فقال الشَّيخُ: نَعَم، أي: أجَلْ، سَأُحَدِّثُكُم به، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُنشِئُ، أي: يَخلُقُ أو يَجمَعُ، السَّحابَ، فيَنطِقُ أحسَنَ المَنطِقِ؛ إشارةً إلى صَوتِ الرَّعدِ، ويَضحَكُ أحسَنَ الضَّحِكِ؛ إشارةً إلى لمَعانِ البَرقِ، وقد جاءَ بَيانُ ذلك في رِوايةٍ أخرى: يُنشِئُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ السَّحابَ، ثُمَّ يُنزِلُ فيه الماءَ، فلا شَيءَ أحسَنُ مِن ضَحِكِه، ولا شَيءَ أحسَنُ مِن مَنطِقِه! وضَحِكُه: البَرقُ، ومَنطِقُه: الرَّعدُ.
وهذا مِن أحسَنِ التَّشبيهِ وألطَفِه؛ لأنَّه جَعَلَ صَوتَ الرَّعدِ مَنطِقًا للسَّحابِ، وتَلَألُؤَ البَرقِ بمَنزِلةِ الضَّحِكِ لها.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما كان عليه التَّابِعونَ مِنِ احتِرامِ وتَوقيرِ الصَّحابةِ ومَعرِفةِ مَكانتِهم.
وفيه حِرصُ السَّلَفِ على سَماعِ أحاديثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الصَّحابةِ.
وفيه بَيانُ أنَّ السَّحابَ يَنطِقُ ويَضحَكُ.
وفيه بَيانُ قُدرةِ اللهِ تعالى على كُلِّ شَيءٍ .
[شرح مشكل الآثار] (13/ 217) :
5220 - حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ قال: حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال: " إني لجالس مع عمي حميد بن عبد الرحمن في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ عرض في ناحية المسجد شيخ جليل ، في بصره بعض الضعف من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فدعاه، فلما أقبل قال: ابن أخي، إن هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، أوسع له فيما بيني وبينك، فأوسعت له، فقال له حميد: الحديث الذي ذكرت أنك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله في السحاب؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك "
[الضعفاء الكبير للعقيلي] (1/ 35) :
حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: إني لجالس مع عمي حميد بن عبد الرحمن في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ عرض في ناحية المسجد شيخ جليل ، فأرسل إليه حميد ، فدعاه ، فقال له حميد: الحديث الذي ذكرت أنك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في السحاب؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن المنطق ، ويضحك أحسن الضحك
مسند أحمد (39/ 91 ط الرسالة) :
23686 - حدثنا يزيد، أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي، قال: كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ جميل من بني غفار وفي أذنيه صمم - أو قال: وقر - أرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، أوسع له فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: حدثني بالحديث الذي حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الشيخ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك " .